ولكنها لم تلبث أن فنّدت رأيه، وبينت عُواره. فليست المواجهة من طبيعة الأنثى في مثل هذه المواقف لأن المواجهة -في أحسن أحوالها- ستجلب لها الفضيحة. إنه الحذر الذي فطرت عليه، والمكر والاحتيال اللذان عرفت بهما حواء الخالدة!! وتأتي بعدئذ لحظة "التنوير" أو بداية الحل - كما يسميها نقاد القصة- فتعرض عليه أن تستعين بأختيها لعلهما تريان لها حلاً. وتتكشف نفسية المرأة ههنا بدهائها ومكرها وخشيتها من الفضيحة لا من الزيارة نفسها، فتعرض الأختان عليها خطة ذكية ماكرة، وتطمئنانها فالخطب أيسر مما تظن. وليس على عمر إلاّ أن يرتدي ثياب إحداهما، ثم يخرج برفقة حبيبته وأختيها متنكراً بثياب امرأة!! ألم أقل إنه الحذر والمكر والدهاء والفطنة الأنثوية الخاصة، وهو الاحتيال والجرأة وتهوين ما ليس يهون!! فقد استطاعت بخبث المرأة أن تنجو من الفضيحة، وأن تخرج من مواطن الخطر محتفظة بوقارها وحشمتها أمام الآخرين!! يقول:
فقالتْ: أَتحقيقاً لما قالَ كاشحٌ ... علينا وتصديقاً لما كانَ يُؤثِرُ
فإنْ كانَ مالا بُدَّ منهُ فغيرُهُ ... مِنَ الأمرِ أَدنى للخفاءِ وأَسترُ
أقصُ على أُختيَّ بْدءَ حديثنا ... ومالي من أن تعلما مُتأَخَّر
فقالَتْ لأُختيها أَعينا على فتى ... أَتى زائراً والأمرُ للأمرِ يُقْدَرُ
فأقبلتا فارتاعتا ثم قالتا: ... أقلِّيِّ عليك اللومَ فالخطب أيسرٌ
يقومُ فيمشي بيننا متنكّراً ... فلا سِرُّنا يفشو ولا هُوَ يَظْهَرُ
فكان مِجَنّي دونَ من كنتُ أتقي ... ثلاثُ شخوصٍ كاعبانِ ومُعصِرُ
فلما أَجزنا ساحةَ الحيّ قلنَ لي ... أَما تتقي الأعداء والليل مَقْمرُ
وقلنَ أَهذا دَأبك الدهرَ سادراً ... أَما تستحي أو ترعوي أو تُفكّرُ(1)
(1) ديوان عمر بن أبي ربيعة: 100