أما في شعر المدن الحجازية فقد اختلفت صورة المرأة المثالية التي مررنا بها في الصفحات السابقة، وبدأت تتحول وتدخل منعطفاً جديداً بسبب مؤثرات كثيرة تداخلت في البيئة والمجتمع الحجازي، وأصبحت المرأة جريئة متحررة تعيش فراغاً يدفعها للبحث عما تشغل نفسها به وتحقق لها ذلك بالاستجابة لحياة المجتمع الجديد بمغامرات وحب وغزل، تقلبت فيه على أحوالها المختلفة، وجاء عمر بن أبي ربيعة فتلقف هذه الحالة وراح يستكثر من وصفها مضفياً عليها من خياله ورغبته أبعاداً جديدة.
فكانت المرأة في شعره متناقضة متغيرة الأحوال، بقدر ما تظهر جريئة تبدو خاضعة، وبقدر ذكائها تبدو عفوية بسيطة، وبقدر قسوتها يبدو لينها، وبقدر تلّعبها يستطيع عمر أن يخضعها ويتلعب بها، تلبي حاجته، وتصبح عرضة لأهوائه، وتخاف أن تلتقيه، وتحتال لذلك اللقاء بدهاء وخفة، كما كانت مبالغة في التعبير عن حبها، ثرثارة كثيرة الكلام والحيل، ويكثر هو من التعبير عن نفسيتها الملتوية التي تنطوي على المكر والخبث، فتحقق كل ما ترغب فيه بأقل الخسائر الممكنة، فيكشف عن ذلك المكر، ويصور ما تنطوي عليه أعماقها من مشاعر وأهواء متضاربة، ويصغي إلى ما يدور بينها وبين رفيقاتها من أحاديث وحيل من أجل إرضاء الحبيب الهاجر، يقول:
قالتْ على رقبةٍ يوماً لجارتِها ... ما تأمرينَ فإِنَّ القلبَ قد شغِلا
فجاوبَتْها حَصَانٌ غيرُ فاحشةٍ ... برَجْعِ قولٍ وأمرٍ لم يكن خِطلا
اقْنَي حياءَكِ في ستْر وفي كَرَمٍ ... فلستِ أولَ أنثى عُلّقتْ رَجُلا
لا تُظْهري حبَّه حتى أُراجِعَهُ ... إنيّ سأَكفيكِهِ إنْ لم أمتْ عجلا(1)
(1) ديوان عمر بن أبي ربيعة: 358