موانعُ للأسرارِ إلاّ لأَهِلها ... ويُخْلِفْنَ ما ظنّ الغيورُ المُشَفْشَفُ
يُحَدّثْن بعد اليأسِ منْ غير ريبةٍ ... أحاديثَ تَشفي المُدْنَفينَ وتَشْعَفُ(1)
ونلمح المرأة في شعر جرير عفيفة عاقلة حريصة على سمعتها ووضعها الاجتماعي، متصونة تبتعد عن كل مايريب أو يجلب لها العار والمذمة، واحتلت هذا الصفات المرتبة الأولى في منظومة القيم الأخلاقية عنده: يقول في ذلك:
حَصان لا المريبُ لها خدينٌ ... ولا تفْشى الحديثَ ولا تَرُوْدُ
فلا بخلٌ فيوئِسَ فيكِ بُخْلٌ ... ولا جودٌ فينفعَ منكِ جُوْدُ
شكونا ما علمتِ فما أَوَيْتُمْ ... وباعَدْنا فما نَفَعَ الصّدودُ(2)
ويصور سلوكها فإذا هي خفيضة الصوت، لاتفشي سر أحد، وتنأى بنفسها عن كل ما يثير الشبهات، أو يجعلها عرضة لأحاديث الآخرين:
إذا حدّثَتْ لم تُلقِ مكنونَ سرِّها ... لمن قال إنّي بالوديعةِ بائحُ
فتلكَ التي ليسَتْ بذاتِ دَمامةٍ ... ولم يَعْرهُا من منصبِ الحيِّ قادحُ(3)
ولاينسى أن يشير إلى حشمتها وتدينها، مما يزيد في وقارها ورزانتها:
تَمّتْ جمالاً وديناً ليس يَقْربُها ... قسُّ النصارى ولا مِنْ هَمّها البِيعُ(4)
ويعجب أيضاً بهدوئها، وحسن معاشرتها لجيرانها، وابتعادها عن مصاحبة الأشرار ممن ينقلون الأحاديث ويثرثرون:
أَناةٌ لا النّمومُ لها خدينٌ ... ولاتُهدي لجارتها السّبابا(5)
ويكرر المعنى ذاته في بيت آخر، فيقول:
ولا تمشي اللئامُ لها بِسِرٍّ ... ولا تُهدي لجارتِها السّبابا(6)
ويضيف أنها "من نسوة زانهن الدل والخفر"(7).
(1) المصدر السابق: 383. موانع الأسرار: أي لايتزوجن إلا الكفؤ. المشفشف: المرتعد السيء الظن ويكرر صفتها في ص339 "خرجت إليك ولم تكن خراجة".
(2) ديوان جرير: 318.
(3) المصدر السابق: 266.
(4) المصدر السابق: 293.
(5) ديوان جرير: 243.
(6) المصدر السابق: 814.
(7) المصدر السابق: 210.