تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وبالنظرةِ العجلى وبالحولِ تنقضي ... أواخرهُ لانلتقي وأَوائلُهْ(1)

واعتنى الشعراء التقليديون بالصفات الأخلاقية والنفسية للنساء، وذكروا صفاتهن الحميدة المحببة، فكأن هذه الصفات ميراث عام تحرص النساء جميعاً على أن يكون لهن نصيب منه، فهن حييات لا يتحدثن إلا قليلاً، وإن هن تحدثن فأصواتهن لاتكاد تسمع، وهن يخفضن من أبصارهن، وينأين بأنفسهن عن مواطن الريبة. وكان الفرزدق في مقدماته الغزلية "معنياً بمحاسن المرأة النفسية يصورها تصويراً فيه رقة ورهافة ودقة حس، فقد يقف على دخيلة نفس الأنثى ويصورها فإذا هي تقول شيئاً، وتضمر آخر، وإذ هي تبذل الآماني الكاذبة لتختبل العقول، وإذا هو معلق بها. وقد يتحدث عما يحب من النساء فيصدر عن موقف جمالي يغاير القديم"(2).

وأعلن عن ذلك بقوله:

أُحِبُ منَ النساءِ وهُنّ شتَّى ... حديثَ النّزْر والحَدَقَ الكِلالا

موانع للحرامِ بغيرِ فُحْشٍ ... وتَبْذُلُ مايكونُ لها حَلالا(3)

ويعود الفرزدق فيؤكد مايحب من النساء الشريفات، اللواتي يأنس عند أزواجهن، ويحتفظن بحيائهن بين أيديهم، ويثني على حديثهن المهموس فيقول:

يَأَنَس عند بُعُولِهِنَّ إذا التَقَوْا ... وإذا هُمُ برزوا فهنّ خِفارُ

وكلامُهُنّ كأنما مَرْفوعُهُ ... بحديثِهن إذا التقينَ سِرار(4)

ويبدو شديد الإعجاب بكلامهن القليل وصوتهن الخفيض:

يُنازعْنَ مكنونَ الحديثِ كأنما ... يُنازعِنَ مسكاً بالأَكفِّ الدوائفِ

وَقُلْنَ لليلى حدّثينا فلم تكد ... تقولُ بأدّنى صوتِها المتهانفِ(5)

وتكررت في معانية القيم الإسلامية التي سيطرت على الذوق العام ورسخّت الفضيلة والأخلاق الكريمة: يقول:

يُشبّهْنَ من فرطِ الحياءِ كأنها ... مراضُ سُلالٍ أو هَوالكُ نُزّف

إذا هُنّ ساقَطْنَ الحديثَ كأنّهُ ... جنى النحلِ أَو أبكارُ كرمْ يُقَطّفُ

(1) ديوان جميل: 61.

(2) قصيدة المدح: 510.

(3) ديوان الفرزدق: 445.

(4) المصدر السابق:322.

(5) المصدر السابق: 394.

المرأة في الشعر الأموي (دراسة) · الصفحة ١٣٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المرأة في الشعر الأموي (دراسة)ص ١٣٨