تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولايكف عن إظهار إعجابه بأخلاقها الكريمة، فيظهرها عارفة بقدر نفسها، تتصرف بحكمة وذكاء، وتجسد في تصرفاتها عقلية الأنثى المتمنعة:

وأَعجبني ياعزَ منكِ خلائقٌ ... كرامٌ إذا عُدّ الخلائقُ أربعُ

دنُوكٍ حتى يذكرَ الجاهلُ الصبا ... ودفعُكِ أسبابَ المنى حين يَطْمَعُ

بخلتِ فكان البخلُ منكِ سجيةً ... فليتَكِ ذو لونينِ يُعطي ويَمنعُ(1)

ومهما بخلت وتمنعت فإنها لاتزيده، إلا تعلقاً وهياماً، فنفسه موكلة بحب هذه البخيلة التي لاتمكنه من نفسها اعتزازاً بقيمها وأخلاقها:

وكمْ من خليلٍ قالَ: لو سألتَها ... فقلتُ: نعم ليلى أَضنُّ خليلِ

وأَبعدُهُ نيلاً وأوشكُهُ قلىً ... وإن سئلتْ عرفاً فشرُ مَسُوْلِ

وإن تبخلي ياليلَ عني فإنني ... تُوكّلُني نفسي بكلَّ بخيلِ(2)

ولا يستطيع مجنون ليلى أن يخرج على منظومة القيم السائدة في الإعجاب بأخلاق المرأة الحيية البخيل، التي تخشى على سمعتها أقوال الوشاة، وتثور أشد ثورة إذا ما سمعت كلمة تتناولها. يقول:

لعمرُ أبيها إنها لبخيلةٌ ... وَمِنْ قولِ واشٍ إِنها لغضوبُ(3)

كما أنها تعرف كيف تحافظ على نفسها، وتحتاط لسمعتها، فهي لا تشاهد خارج بيتها حتى في أهم المناسبات التي يترك للفتيات فيها الخروج والتجمع أمام الآخرين فتزداد أخلاقها في عينيه تسامياً ورفعة:

من الخَفِراتِ البيضِ لم تَدْرِ ما الخنا ... ولم تُلْفَ يوماً بعد هجعتِها تَسْري

ولا سمعُوا من سائرِ الناس مثلَها ... ولا برزَتْ في يوم أَضحى ولا فطرِ(4)

ويدور جميل في الدائرة ذاتها، فيثني على بخل بثينة وتمنعها، ويرضى منها أعذارها وإخلافها وعوده، بل يرضى بكل مايصدر عنها حتى لو استدار العالم دون أن يراها:

وإني لأرضى من بثينةَ بالذي ... لَوَ أبصره الواشي لَقَرَّتْ بلابِلُهْ

بلا وبألاّ أستطيعَ بالمنى ... وبالوعدِ حتى يسأم الوعدَ آمِلُهْ

(1) المصدر السابق: 405.

(2) ديوان كثير: 109.

(3) ديوان المجنون: 61.

(4) المصدر السابق: 158.

المرأة في الشعر الأموي (دراسة) · الصفحة ١٣٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المرأة في الشعر الأموي (دراسة)ص ١٣٧