تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فتلبس هذا المدعي للإسلام (بالإعانة للمشركين على المسلمين) هو الذي جعله (لا يكون مسلماً حقيقة) ومعنى ذلك أنه كافرٌ، كما زاد الأمر إيضاحاً بقوله: وإنما يستعمل هذا اللفظ (يوجع عقوبة) في حق غير المسلمين، ثم استدرك بقوله: إلا أنه قال لا يقتل، فكأنه جواب عن سؤال متبادرٌ ضرورةً، وهو: إذا لم يكن هذا المدعي للإسلام مسلماً حقيقة، وقد أقر بإعانته طوعاً فالواجب إذاً قتله كغيره من المرتدين، لأن حكم مثله في الشرع هو القتل؟! فأجاب بما أجاب.

فليس في قول هذين الإمامين ما ينقض الإجماع المنقول في كفر المظاهر للكفار على المسلمين كما هو واضحٌ من كلامهم، وإنما استثنوه من حكم القتل إما لعدم القطع بقيام معنى المظاهرة في فعله كما يفهم من كلام الإمام الشافعي -رحمه الله- أو للتعليلات التي أشار إليها الإمام السرخسي-سواء سُلِم بها أم لا-.

وقريبٌ منه قول أصبغ: [الجاسوس الحربي يقتل، والمسلم والذمي يعاقبان، إلا أن يظاهرا على الإسلام فيقتلان] (عمدة القاري: 14 - 257).

خامساً: أما عن جواب الإمام الشافعي - رحمه الله تعالى- فقد تضمن ذكر ثلاث صور للتجسس وأعطاها كلها حكماً واحداً ووصفها بأنها (ليست بكفر بين).

فالصورة الأولى: هي الدلالة على عورة (مسلم) -وليس عورات (المسلمين) - فهذا لا شك أنه محتمل، فقد تحمل العصبية الجاهلية أو العداوة الشخصية أو الحسد المجرد على أن يدل المسلم كافراً على عورة مسلمٍ بعينه، يفعل ذلك تشفياً وانتقاماً، وفي مثل هذا لا شك أنه ليس صريحاً في الكفر، وهو يقع كثيراً من الظلمة والفسقة والمجرمين.

الصورة الثانية: التي ذكرها الإمام الشافعي هي تأييد كافر بأن يُحَذَّر أن المسلمين يريدون منه غرة ليحذرها، وهذه الصورة هي قريبة مما فعله حاطب رضي الله تعالى عنه إن لم تكن مطابقة لها، وتسمية الإمام الشافعي -رحمه الله- لهذا الفعل (تأييدا لكافر) بالنظر إلى إعانته في حفظ نفسه بالحذر والاحتياط كما فسرها بقوله: بأن يحذر أن المسلمين يريدون منه غرة ليحذرها، وليست هي تأييداً لكافرٍ على مسلمٍ، أو لأمة كافرة على المسلمين فهذه الصورة عرية عن المظاهرة الجلية، ومن ثَم فلا إشكال في وصفها بأنها ليست (بكفر بينٍ) أيضاً.

الصورة الثالثة: وهي التي يقول فيها الإمام الشافعي -رحمه الله-: أو يتقدم في نكاية المسلمين، والظاهر أن هذه الجملة معطوفة على قوله (بأن يحذَّر)، فيكون معناها وليس تأييد كافر بأن يتقدم في

المعلم في حكم الجاسوس المسلم · الصفحة ٧٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المعلم في حكم الجاسوس المسلمص ٧٢