تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإنما ذهب إلى أن صور التجسس التي أشار إليها في جوابه لا يتحقق فيها هذا المناط تحققاً جلياً، فعنده قيام معنى المظاهرة والممالأة والمعاونة فيها غير قطعي ولهذا قال إنها ليست بكفرٍ بيّن، ولم يقل بأنها ليست كفراً مطلقاً.

رابعاً: أن جواب الإمام الشافعي -رحمه الله- نفسَه يدل دلالة واضحة على أن التجسس للكفار على المسلمين بأي صورة كانت ليس هو من جنس المعاصي المعروفة كالزنى، وأكل الربا، وعقوق الوالدين ونحوها؛ لأن مثل هذه الموبقات لا يقال في شيء منها -مهما عظم-: وليس ارتكاب الزنى ولا أكل الربا ولا عقوق الوالدين (بكفرٍ بينٍ)، إذ التكفير بمجرد ارتكابها لا هو قطعي ولا محتمل بل منفيٌ انتفاءً تاماً، وهي وشاكلاتها مجلبة المعركة بين أهل السنة والخوراج، فلما قال الإمام الشافعي في التجسس ما قال علِمنا أن هذا الفعل -عنده- تارةً يُكفّر به وتارة لا، ولهذا قال في قصة حاطب: [لأنه لما كان الكتاب يحتمل أن يكون ما قال حاطب كما قال من أنه لم يفعله شاكاً في الإسلام، وأنه فعله ليمنع أهله، ويحتمل أن يكون زلة لا رغبة عن الإسلام، واحتمل المعنى الأقبح كان القول قوله فيما احتمل فعله] (الأم: 4/ 264).

فقول الإمام الشافعي: واحتمل المعنى الأقبح، يعني به الكفر، فما فعله حاطب رضي الله عنه -عند الشافعي- محتملٌ للكفر، وهذا من أقوى الأدلة على أن جنس هذا الفعل (أي التجسس) هو من المكفرات، وليس كسائر الموبقات، وإلا فالاحتمالات التي ذكرها الشافعي لا يمكن إجراؤها في شيء من الكبائر مهما تكاثرت وتعاظمت.

ويُشبه هذا ما قاله الإمام محمد بن الحسن الشيباني وبينه الإمام السرخسي حيث قال: ["وإذا وجد المسلمون رجلاً ممن يدعي الإسلام معيناً للمشركين على المسلمين يكتب إليهم بعوراتهم فأقر بذلك طوعاً فإنه لا يقتل، ولكن الإمام يوجعه عقوبة"

وقد أشار في موضعين في كلامه إلى أن مثله لا يكون مسلماً حقيقة؛ فإنه قال: ممن يدعي الإسلام، وقال: يوجع عقوبة، ولم يقل: يعزر، وقد بينا أنه في حق المسلمين يستعمل لفظ التعزير في هذا الموضع، وإنما يستعمل هذا اللفظ في حق غير المسلمين، إلا أنه قال: لا يقتل، لأنه لم يترك ما به بإسلامه، فلا نخرجه من الإسلام في الظاهر ما لم يترك ما به دخل في الإسلام] (شرح كتاب السير الكبير: 2/ 128).

المعلم في حكم الجاسوس المسلم · الصفحة ٧١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المعلم في حكم الجاسوس المسلمص ٧١