تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الفصل الثالث: حكم الجاسوس الذي ظاهره الإسلام

وتحت هذا العنوان عدة مطالب:

المطلب الأول:

قد ذكرت في مطلع البحث تعريفاً عاماً للجاسوس، وقد كان عزمي ابتداء على جعل هذا البحث شاملاً للجاسوس الحربي، والجاسوس الذمي، والجاسوس المعاهد، والجاسوس المسلم، ولكن لما طال البحث رأيت أن أقتصر هنا على آخرهم؛ لأنه الأهم والأولى وبه البلية في ساحات الجهاد، وأما أصنافهم الأخرى فَلانعدام بعضهم أصلاً كالجاسوس الذمي، ولوضوح أحكام بعضهم في الجملة وإن كان هناك بعض المتعلقات المعاصرة بهم، فنسأل الله أن يعين على إفرادهم ببحث يفي بمعرفة شيء من أحكامهم، أما في هذا الموطن أخص من أصنافهم ما يذكره الفقهاء باسم (الجاسوس المسلم)، فإذا أردنا أن نستخلص له تعريفاً خاصاً به فيمكن أن نقول:

هو الشخص الذي يكون ظاهره الإسلام، ويطلع على عورات المسلمين لينقلها إلى أعدائهم.

والكلام على ردة الجاسوس من عدمها بتفصيل يطول به البحث ويخرج عن مقصود الاختصار، ولكن نشير إشارات ونذكر بعض الآيات التي تبين أن مثل هذا العمل - وهو إطلاع العدو على عوارت المسلمين ونقلها إليهم - يدخل في موالاتهم، بل هو من أعظم أنواع المناصرة لهم، لأنهم بذلك يخلصون إلى ما لا تستطيع أن تناله جيوشهم أو تقنياتهم، ورب خبر واحد ينقله عين من عيونهم المبثوثة يحدث من النكاية في الأرواح والأعراض والأموال ما لا تحدثه الآلاف المؤلفة من جُنودهم المجندة، ومن رأى وعايش وقائع الحرب الصليبية المعاصرة، ولمس مدى اعتماد قواتها على هذا النوع من الجنود الأخفياء- أعني جنود الجواسيس - أدرك مدى الأضرار الفادحة التي لقيها المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها بسببهم، وعلم يقيناً أن ما يحدثه الجندي الذي يرتدي لباس الجندية ويقود سيارته أو دبابته أو طائرته لا يساوي شيئاً بالنسبة لما يتسبب فيه الجندي الخفي الذي يتلون بأوصافه المختلفة تلون الحرباء، ويخادع مخادعة الثعلب، ومع ذلك ففتكه بالإسلام والمسلمين لا يتوقف طرفة عين، بل ما كان لتلك الجيوش الجرارة والقوات المعلنة والتقنيات المتقدمة أن تؤدي دروها بدون هؤلاء الجواسيس.

ولذا وجب التنبيه في هذا الموطن أننا وإن عرّفنا الجاسوس بما مضى اعتباراً للمعنى اللغوي وجرياً على ما مشى عليه الفقهاء إلا أن واقع الحال اليوم -خاصة في الحرب الصليبية- تعد هذه الصورة فيه فرداً

المعلم في حكم الجاسوس المسلم · الصفحة ٢١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المعلم في حكم الجاسوس المسلمص ٢١