ومعرفة أحوالهم، وهذا غالباً يحصل في المناطق التي يكون للمجاهدين فيها نوع سيطرة وغلبة، وتارة يكون الأمر في غاية العسر أو الاستحالة لامتناع المتهم بقوته وشوكته وقبيلته، أو باعتبار المناطق التي يعيش فيها حيث سيطرة العدو الكاملة عليها، وهذا كله مع قوة الدلائل والشواهد والقرائن التي تدل على تورطه في التجسس، فإن أمكن القبض على النوع الأول منهم -وهم الأقل- وسنحت الفرص بإثبات الجريمة في حقهم، فما العمل والحل مع البقية الباقية -وهم الكثرة الكاثرة- والذين يتعذر على المجاهدين التمكن منهم والقبض عليهم فضلاً عن استدعائهم وطلبهم للتحقيق معهم والتحقق من حالهم؟!
السابع: وبناء على ذلك فإن أكثر (المتهمين) بالتجسس هم ممتنعون عن القدرة، محتمون بالشوكة، مقيمون في (دار حرب) لا سلطان للمسلمين عليها، آوون إلى ركن شديدٍ من القوة، لا يمكن بسببه التعامل معهم تعاملاً قضائياً خالصاً، وكيف ستقاضي من لا سلطة لك عليه، ولا قدرة لك على إحضاره ومساءلته، ولا سبيل لإلزامه بحكم وإجباره عليه؟!
وكون هؤلاء الجواسيس يمثلون بمجموعهم طائفة ممتنعة وفِرقةً صائلة على الدماء والأموال هذا مما لا ينبغي أن يُختلف فيه، وليس هذا هو موطن البحث ومحله، وإنما في الكيفية التي يثبت بها شرعاً انتماء الواحد منهم إلى هذه الطائفة الممتنعة الصائلة.
ولو افترضنا أن هؤلاء الجواسيس يمارسون نفس أعمالهم علانية ومجاهرة مع انتمائهم لأجهزة الاستخبارات المتعددة والتي تعهدت بحمايتهم والدفاع عندهم، فعندها لا تكاد تجد أحداً يتردد في وصفها بأنها طائفة ممتنعة قد أوجب الشرع قتالها حتى تكف شرها وتفيء إلى أمر الله وتكون كلمته -سبحانه- هي العليا.
فتخفيها وإسرارها لا يغير من حقيقة الامتناع شيئاً بل يؤكده ويوطده، كما أنه لا يمحو الجرائم والمفاسد التي تقترفها وتتفنن في أدائها، بل هؤلاء كما ذكرت مراراً هم شر وأضر من جيوش الكفر السافرة الجاهرة بحربها والمصرحة بامتناعها، فليس بينهما -من حيث قيام أصل الإفساد في الدين والدنيا- من الفروق إلا الإسرار والإشهار، والإخفاء والإبداء، والإبطان والإعلان، ولم نسمع أحداً من الأولين والآخرين أوجب على المجاهدين أن يثبتوا تهمة (المظاهرة والمعاونة) بشاهدين أو إقرار في حق من انضوى في صفوف الكفار مجاهراً معلناً، بل الأمر كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمه العباس يوم بدر: