هؤلاء الجواسيس حتى لا يحصل من وراء معلوماتهم من التقتيل والاعتقالات والفساد ما نراه كل يوم، فلا يجب على المجاهدين أن ينتظروا ويترقبوا ويكفوا أيديهم عن هؤلاء المجرمين حتى إذا وقعت الواقعة ونزلت المصيبة فعندها -وعندها فقط - يستنفرون في طلب مَن كان وراءها والبحث عن مَن شارك فيها، بل الواجب عليهم أصالة وابتداء هو كف فتنتهم وقطع دابرهم ودوام تتبعهم ومطاردتهم واستمرار ملاحقتهم، ليحفظوا أنفسهم ويحافظوا على مراكزهم ويكسروا شوكة عدوهم استجابة لأمر الله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الأنفال: 39].
الرابع: أن الغالب من حال المجاهدين والشائعَ في صور جهادهم هو الكر والفر، وكثرة التنقل وتتابع الحركة، وكل ما بأيديهم من الأراضي والمناطق فتمكّنهم فيها تمكنٌ ناقصٌ، واحترازهم فيها احتراز دائم، فقصف الأعداء وغاراتهم وإنزالاتهم -التي تعتمد على أخبار الجواسيس- لا تكاد تنقطع، ولهذا فإن المجاهدين -قادة وأفراداً- الذين قتلوا في مثل هذه المناطق هم أكثر بكثير من الذين استشهدوا في المواجهات المباشرة التي تكون في بعض الجبهات، وبناءً على هذا الواقع الحقيقي - وليس الافتراضي- فمن الصعب جداً الاحتفاظ بالشخص المتهم بالتجسس مدة طويلة حتى يقر طوعاً واختياراً أو يشهد عليه شاهدان بأنه يتجسس للكفار على المسلمين.
ولهذا فقد حصل أن بعض المراكز عند المجاهدين، تعرضت للقصف وقتل فيها عددٌ منهم وبداخلها أحد الجواسيس المقبوض عليهم، والمسجون عندهم!، فحتى مواطن محاكمتهم ومساءلتهم معرضة للقصف والتدمير بناء على المعلومات التي ينقلها إخوانهم في التجسس!
الخامس: وإذا قبِلْنا تنزلاً إمكان الاحتفاظ برجلٍ أو رجلين أو حتى عَشرة من هؤلاء المتهمين إلى حين التأكد من حالهم، فإن هذا غير متأت على الإطلاق في مئات -إن لم يكن ألوفاً- من المبثوثين كالذّر، وإبقائهم في مراكز المجاهدين حتى يقرِّ كل واحدٍ منهم طواعية، أو يشهد شاهدان عدلان عليهم فرداً فرداً، فإن كان ذاك وإلا خلي سبيلهم!
فلا المجاهدون يملكون هذه الأراضي -فضلاً عن السجون- التي يتمكنون فيها من الاحتفاظ بهذه الأعداد الكبيرة، ولا قدراتهم وإمكاناتهم المالية والبشرية تستوعبها.
السادس: أن هؤلاء المتهمين بالتجسس ليسوا على صفة واحدة من حيث القدرة عليهم وامتناعهم، فتارة يستطيع المجاهدون الترصد لبعضهم وتحين الفرص الملائمة للقبض عليهم، ومن ثَم التحقيق معهم