تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والحق سبحانه يضرب لنا مثلاً للدنيا، لا ليُنفِّرنا منها، وإنما لنحتاط في الإقبال عليها، وإلا فحبُّ الحياة أمر مطلوب من حيث هي مجال للعمل للآخرة ومضمار للتسابق إليها.

يقول تعالى في هذا المثل: ﴿واضرب لَهُم مَّثَلَ الحياة الدنيا ... ﴾ [الكهف:45] فسماها دنيا، وليس هناك وصف أبلغ في تحقيرها من أنها دنيا ﴿كَمَآءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السماء فاختلط بِهِ نَبَاتُ الأرض فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرياح ... ﴾ [الكهف:45] نعم، كذلك الدنيا تزدهي، لكن سرعان ما تزول، تبدأ ابتداءً مقنعاً مغْرياً، وتنتهي انتهاءً مؤسفاً.

وقوله تعالى: ﴿وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بالله الغرور﴾ [لقمان:33] والغَرور بالفتح الذي يغرُّك في شيء ما، والغرور يوضحه لنا الشاعر الجاهلي وهو يخاطب محبوبته فيقول:

أَفَاطِمُ مَهْلاً بَعْضَ هَذَا التدَلُّل ... وإنْ كنت قَدْ أَزْمعتِ صَرْمي فأَجْمِلِي

أغرَّك مني أنَ حبَّكِ قَاتِلي ... وأَنَّكِ مَهْما تأْمُري القَلْبَ يفعَلِ

فمعنى غرَّك: أدخل فيك الغرور، بحيث تُقبل على الأشياء، وتتصرف فيها في كنف هذا الغرور وعلى ضوئه.

والغَرُور بالفتح هو الشيطان، وله في غروره طرق وألوان، فغرور للطائعين وغرور للعاصين، فلكل منهما مدخل خاص، فيغرّ العاصي بالمعصية، ويوسوس له بأن الله غفور رحيم، وقد عصا أبوه فغفر الله له. لذلك أحد الصالحين سمع قول الله تعالى: ﴿ياأيها الإنسان مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكريم الذي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾ [الانفطار:6 - 7] فأجاب هو: غرَّني كرمه، لأنه خلقني وسوَّاني في أحسن صورة، وعاملني بكرم ودلّلني، حتى أصابني الغرور بذلك، ولو أنه عَزَّ وَجَلَّ قسا علينا ما اغتررنا.

وكان لأحدهم دَيْن خمسة صاغ فضة عند آخر، فردَّها إليه، فلما نظر فيها الدائن وجدها ممسوحة فأعادها إليه، فقال المدين: والله لو كنت كريماً لقبلتها دون أنْ تنظر فيها.

فأخذ الواعظ هذه الواقعة وأراد أنْ يعظ بها الدائن، وكان يصلي صلاةً لا خشوعَ فيها، فقال له: إن صلاتك هذه لا تعجبني، فهي نَقْر لا خشوع فيها، أرأيت لو أن لك دَيْنا فأعطاك صاحب الدين نقوداً ممسوحة قديمة أكنت تقبلها؟ فقال الرجل: والله لو كنتُ كريماً أقبلها ولا أردها. (1)

ـــــــــ

64 - اتباعُ شرعِ الله:

(1) - تفسير الشعراوي (19/ 11755)

المهذب في عوامل النصر والهزيمة · الصفحة ٣٥٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المهذب في عوامل النصر والهزيمةص ٣٥٢