تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

التِّرْمِذِىُّ: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وأكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ من السَّلَفِ ومَنْ بَعْدَهم على القَوْلِ بِصِحَّةِ الوَقْفِ. قال جابِرٌ: لم يكُنْ أحدٌ من أصْحابِ النبيِّ -ﷺ- ذو مَقْدِرَةٍ إلّا وَقَفَ. ولم يَرَ شُرَيْحٌ الوَقْفَ، وقال: لا حَبْسَ عن فرائِضِ اللهِ. قال أحمدُ: وهذا مذهبُ أهْلِ الكُوفَةِ. وذَهَبَ أبو حنيفةَ إلى أنَّ الوَقْفَ لا يَلْزَمُ بمُجَرَّدِه، ولِلْوَاقِفِ الرُّجُوعُ فيه، إلَّا أن يُوصِىَ به بعدَ مَوْتِه، فيَلْزَمُ، أو يَحْكُمَ بِلُزُومِه حاكِمٌ. وحَكَاهُ بعضُهم عن عَلىٍّ، وابنِ مسعودٍ، وابنِ عَبّاسٍ. وخَالَفَه صَاحِبَاه، فقالا كقَوْلِ سائِر أهْلِ العِلمِ. واحْتَجَّ بعضُهم بما رُوِىَ أنَّ عبدَ اللَّه بن زَيْدٍ، صَاحِبَ الأَذَانِ، جَعَلَ حائِطَه صَدَقَةً، وجَعَلَه إلى رسولِ اللهِ -ﷺ-، فجاءَ أبَوَاه إلى رسولِ اللَّه -ﷺ-، فقالا: يا رسولَ اللَّه، لم يكُنْ لنا عَيْشٌ إلّا هذا الحائِطَ. فرَدَّه رسولُ اللَّه -ﷺ-، ثم ماتَا، فوَرِثَهُما. رَوَاهُ المحَامِلِىُّ (٤) في "أمَالِيهِ" (٥)، ولأنَّه أخْرَجَ مَالَه على وَجْهِ القُرْبةِ من مِلْكِه، فلم يَلْزَمْ بمُجَرَّدِ القَوْلِ، كالصَّدَقَةِ. وهذا القول يُخَالِفُ السُّنَّةَ الثابِتَةَ عن رسولِ اللَّه -ﷺ-، وإجْمَاعَ الصَّحَابةِ رضي الله عنهم، فإنَّ النبيَّ -ﷺ- قال لِعُمَرَ في وَقْفِه: "لَا يُبَاعُ أصْلُهَا، ولا يُبْتَاعُ، ولَا يُوهَبُ، ولَا يُورَثُ". قال التِّرمِذِىُّ: العَمَلُ على هذا الحَدِيثِ عندَ أهْلِ العِلْمِ من أصْحابِ النبيِّ -ﷺ- وغيرِهم، لا نَعْلَمُ بين [أحَدٍ من] (٦) المُتَقَدِّمِينَ منهم في ذلك اخْتِلَافًا. قال الحُمَيْدِىُّ: تَصَدَّقَ أبو بكرٍ بِدَارِه على وَلَدِه، وعمرُ بِرَبْعِه عند المَرْوَةِ على وَلَدِه، وعثمانُ بِرُومَةَ (٧)، وتَصَدَّقَ عَلِىٌّ بأَرْضِه بِيَنْبُعَ، وتَصَدَّقَ الزُّبَيْرُ بِدَارِه بمَكَّة [ودَارِه بمِصْرَ وأمْوالِه بالمدِينَةِ] (٦) على وَلَدِه،

= ٣/ ١٢٥٥. وأبو داود، في: باب في ما جاء في الصدقة عن الميت، من كتاب الوصايا. سنن أبي داود ٢/ ١٠٦. والترمذي، في: باب في الوقف، من أبواب الأحكام. عارضة الأحوذى ٦/ ١٤٤. والنسائي، في: باب فضل الصدقة عن الميت، من كتاب الوصايا. المجتبى ٦/ ٢١٠. والإِمام أحمد، في: المسند ٢/ ٣٧٢.

(٤) أبو عبد اللَّه الحسين بن إسماعيل بن محمد الضبى المحاملى القاضي الفقيه، صاحب "الأمالى" المتوفى سنة ثلاثين وثلاثمائة. تاريخ التراث العربى ١/ ١/ ٣٥٧.

(٥) وذكره المزى وعزاه إلى النسائي في الكبرى. تحفة الأشراف ٤/ ٣٤٥.

(٦) سقط من: الأصل.

(٧) أي بئر رومة بالمدينة.

المغني لابن قدامة - ت التركي · الجزء ٨ · الصفحة ١٨٥

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المغني لابن قدامة - ت التركيج ٨ · ص ١٨٥