هم؟ قال: هم قَوْمٌ أصابَتْهم فِتْنَةٌ، فَعَمُوا فيها وصَمُّوا، وبَغَوْا عَلَيْنا، وقَاتَلُونا فَقَاتَلْنَاهمْ (٢٩). ولمَّا جَرَحَه ابنُ مُلْجَمٍ، قال للحسنِ: أَحْسِنُوا إسَارَهُ، فإنْ عِشْتُ فَأنا وَلِيُّ دَمِي، وإنْ مِتُّ فَضَرْبَةٌ كضَرْبَتِي. وهذا رَأْيُ عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ فيهم، وكثيرٍ مِن العلماءِ (٣٠). والصحيحُ، إنْ شاءَ اللهُ، أنَّ الخوارِجَ يجوزُ قَتْلُهم ابْتداءً، والإِجازَةُ على جَرِيحِهِم؛ لأمْرِ النَّبِيِّ -ﷺ- بقَتْلِهم، وَوَعْدِه بالثَّوابِ مَنْ قَتَلَهم، فإنَّ عَليًّا، رضي الله عنه، قال: لولا أنْ تَبْطَرُوا (٣١)، لَحَدَّثْتُكُمْ بما وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ يقتلونهم على لسانِ محمدٍ -ﷺ- (٣٢)؛ ولأنَّ بِدْعَتَهم، وسُوءَ فِعْلِهم، يَقْتَضِي حِلَّ دِمَائِهِمْ؛ بِدَليلِ ما أخْبَرَ به النَّبِيُّ -ﷺ-، مِنْ عِظَمِ ذَنْبهِم، وأنَّهم شَرُّ الخَلْقِ والخليقةِ، وأَنَّهم يَمْرُقُونَ مِن الدِّينِ، وأَنَّهم كِلابُ النَّارِ، وحَثِّه على قَتْلِهم، وإخْباره بأَنَّه لو أدْرَكَهم لَقَتَلَهم قَتْلَ عادٍ، فلا يجوزُ إلْحاقُهم بِمَنْ أمرَ النَّبِيُّ -ﷺ- بالكَفِّ عنهم، وتَورَّعَ كثيرٌ مِن أصحابِ رسولِ اللهِ -ﷺ- عن قِتالِهم، ولا بِدْعةَ فيهم. الصِّنْفُ الرَّابعُ، قومٌ من أهلِ الحقِّ، يَخْرجُون عن قَبْضَةِ الإِمامِ، ويَرومُون خَلْعَه لتأويلٍ سائِغٍ، وفيهم مَنَعَةٌ يَحْتاجُ في كفِّهم إلى جَمْعِ الجيشِ، فهؤلاءِ البُغاةُ، الذين نذكرُ في هذا البابِ حُكْمَهم، وواجبٌ على النَّاسِ مَعُونةُ إِمامِهم، في قتالِ البُغَاةِ؛ لما ذكرْنا في أوَّلِ البابِ؛ ولأنَّهم لو تَرَكُوا مَعُونَتَه، لقَهَره أهلُ البَغْيِ، وظهرَ الفسادُ في الأرضِ.
(٢٩) في الأصل، ب: "فقتلناهم".
وأخرجه البيهقي، في: باب الدليل على أن الفئة الباغية. . .، من كتاب قتال أهل البغي. السنن الكبرى ٨/ ١٧٤. وعبد الرزاق، في: باب ما جاء في الحرورية، من كتاب اللقطة. المصنف ١٠/ ١٥٠. وابن أبي شيبة، في: باب ما ذكر في الخوارج، من كتاب الجمل. المصنف ١٥/ ٢٥٦، ٢٥٧، ٣٣٢.
(٣٠) في ب: "الفقهاء".
(٣١) في النسخ: "ينظروا" تصحيف.
(٣٢) أخرجه مسلم، في: باب التحريض على قتل الخوارج، من كتاب الزكاة. صحيح مسلم ٢/ ٧٤٧. وأبو داود، في: باب في قتال الخوارج، من كتاب السنة. سنن أبي داود ٢/ ٥٤٣. وابن ماجه، في: باب ذكر الخوارج، من المقدمة. سنن ابن ماجه ١/ ٥٩.