أَنَّ رسولَ اللَّه -ﷺ- (٢٨) جاءته امرأةٌ، فقالت: إنِّى وَهَبْتُ نَفْسِى لك. فقامت طَوِيلًا، فقال رَجُلٌ: يا رسولَ اللَّه، زَوِّجْنِيها إن لم يكُنْ لك بها حاجةٌ. فقال: "هَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَىْءٍ تُصْدِقُها؟ ". فقال: ما عندى إِلَّا إزَارِى. فقال رسولُ اللَّه -ﷺ-: "إِزَارُكَ، إنْ أعْطتَها جَلَسْتَ وَلَا إِزَارَ لَكَ، فالْتَمِسْ شَيْئًا". قال: لا أجِدُ. قال: "الْتَمِسْ ولو خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ". فالْتَمَسَ، فلم يَجِدْ شيئًا، فقال رسُولُ اللَّه -ﷺ-: "زَوَّجْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرآنِ". مُتَّفَقٌ عليه (٢٩). ولأنَّها مَنْفعةٌ معيَّنةٌ مُباحةٌ، فجاز جَعْلُها صَداقًا، كتعْليمِ قَصِيدة من الشِّعْرِ المُباح. وَوَجْه الرِّوايةِ الأُخْرى، أَنَّ الفُرُوجَ لا تُسْتَباح إلَّا بالأَمْوالِ، لقولِه تعالى: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾. وقولِه تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ (٣٠). والطَّوْلُ: المالُ. وقد رُوِىَ أَنَّ رسولَ اللَّه -ﷺ- زَوَّجَ رَجُلًا على سُورَةٍ من القرآنِ، ثم قال: "لَا تَكُونُ لِأَحَدٍ بَعْدَكَ مَهْرًا". روَاه النَّجَّادُ بإِسْنادِه (٣١). ولأنَّ تعليمَ القرآنِ لا يجوزُ أن يَقَع إِلَّا قُرْبةً لفاعِلِه، فلم يَصِحَّ أن يكونَ صَدَاقًا، كالصَّوْمِ والصلاةِ وتعْليمِ الإيمانِ. ولأنَّ التَّعْليمَ من المُعَلِّمِ والمُتَعَلِّمِ مُخْتَلِفٌ، ولا يكاد يَنْضَبِطُ، فأشْبَهَ الشىءَ المجهولَ. فأمَّا حديثُ المَوْهُوبةِ، فقد قيل: معناه أنْكَحْتُكَها (٣٢) بما معك من القرآنِ، أى زَوَّجْتُكَها لأنَّك من أهْلِ القرآنِ، كا زَوَّجَ أبا طَلْحةَ على إسْلامِه، فرَوَى ابنُ عبدِ البَرِّ، بإسناده عن أنَسٍ، أن أبا طَلْحةَ أرتَى أُمَّ سُلَيمٍ يَخْطُبُها قبلَ أن يُسْلِمَ، فقالت: أتَزَوَّجُ بك وأنت تَعْبُدُ خَشَبةً نَحَتَها عبدُ بنى فلانٍ! إن أسْلَمْتَ تَزَوَّجْتُ بك. قال: فأسْلَمَ أبو طَلْحةَ، فتزَوَّجَها على إسْلامِه (٣٣). وليس فى الحديثِ الصحيحِ ذِكْرُ التَّعْلِيمِ. يحْتَمِل أن يكونَ خاصًّا لذلك الرَّجُلِ؛ بدليلِ ما رواه النَّجَّادُ. ولا تَفْرِيعَ
(٢٨) فى أ، م زيادة: "أنه".
(٢٩) تقدم تخريجه فى: ٨/ ١٣٧.
(٣٠) سورة النساء ٢٥.
(٣١) وأخرجه سعيد بن منصور، فى: باب تزويج الجارية الصغيرة. السنن ١/ ١٧٦.
(٣٢) فى م: "أنكحتها".
(٣٣) وأخرجه عبد الرزاق، فى: باب غلاء الصداق، من كتاب النكاح. المصنف ٦/ ١٧٩.