فإن قلنا اليوم إن الكيد شديد ، فهذه حقيقة ، ولكنها حقيقة لا تعفي الأمة من مسئوليتها أمام الله ، يوم يكون الإنسان على نفسه بصيرة ، ولو ألقى معاذيره .
* * *
تحدثنا عن الوجه الأول من القضية . ومعرفته ضرورية لنا ، لنتعرف على طريق الخلاص . فإن الطبيب إذا لم يتعرف على حقيقة الداء ، والأسباب التي أدت إليه ، فلن يصف الدواء الحقيقي الذي يؤدي - بإذن الله - إلى الشفاء .
أما الوجه الثاني فهو الرد على هذا السؤال : أحقاً لا نستطيع شيئاً إزاء كيد الأعداء ؟!
إن أحداً من الجادين لا يقول ذلك . وإن اختلفت درجات الجد وزوايا الرؤية ومناهج العاملين .
إننا في الحقيقة نملك الكثير . . إذا عزمنا العزمة الصادقة ، واتجهنا الاتجاه الصحيح . أي إذا عزمنا عزمة صادقة أن نعود إلى حقيقة ديننا ونتحمل التكاليف .
إنه لا بد من جهاد . .
وكل طريق غيره لا يؤدي إلى شيء . .
والذين يتهيبون الطريق يقدمون بدائل يحسبونها تؤدي إلى الخلاص وتعفيهم في ذات الوقت من الجهاد .
وعند التحليل الواقعي تنكشف هذه البدائل عن أوهام . .
يقولون : نبني اقتصادياتنا على أسس متينة ، فكل شيء في عالم اليوم مبني على الاقتصاد .
ونقول : مرحباً ببناء اقتصادياتنا على أسس متينة ، فذلك أمر لا غنى عنه في أي حال من الأحوال .
ولكن الوهم يقع عند الظن بأن هذا الطريق سيوصلنا - وحده - ويعفينا من الجهاد .
إن الذين يتحكمون فينا ليمنعونا من تطبيق شريعتنا ، هم أنفسهم الذين يتحكمون فينا ليبقى اقتصادنا عالة عليهم ، ولا يستقل عنهم ، ولا يستغنى عن تدخلهم ، ولا يصل إلى حد الاكتفاء .
وليست هذه دعوة إلى اليأس من الإصلاح . . كلا ! ولكنها فقط تبصرة بأن الأمر لا يستغني عن الجهاد .
إن الأرض التي انتشر فيها الإسلام - بقدر من الله - هي بفضل الله أغنى بقعة في الأرض ، بثرواتها البشرية والمعدنية والمائية ، وكل أنواع الطاقات ، ولكن أهلها اليوم هم أفقر سكان الأرض ، وأشدهم جوعاً ومرضاً وتخلفاً . . ولو كانت هذه الثروات والطاقات ملكاً حقيقياً لأهلها لكانوا أغنى سكان الأرض . . فمن الذي يمنعهم من امتلاكها والتصرف الحر فيها ؟ هم ذات الأعداء الذين يمنعونهم من تطبيق شريعتهم !
إن في السودان وحده مساحة من الأرض يقول الخبراء إنها لو زرعت قمحاً لكفت افريقيا كلها ، ودفعت عنها غائلة الجوع بفضل من الله . وقصتها أنها من أخصب بقاع الأرض ولكنها مستنقعات لا تصلح في صورتها الراهنة لشيء ، والسبب في ذلك أنه يحدث في النيل في وقت واحد فيضانان ، أحدهما تسببه الأمطار المحلية في السودان ، التي تملأ النهر بالماء ، ثم يأتي الفيضان الآخر من الحبشة محملاً بالغرين الذي يخصّب الأرض ، فيجد النهر ممتلئاً فيفيض على الجنبين ويجعل الأرض مستنقعات . والمشروع المطلوب هو حفر قناة وإنشاء خزان تختزن فيه المياه القادمة من الحبشة حتى يتصرف الماء المجتمع من الأمطار المحلية ، فيستفاد من هذه المياه وتلك ، ويستفاد من الأرض بعد تجفيفها وإعدادها للزراعة ، فيزرع فيها من القمح ما يكفي افريقيا كلها .
فما الذي يمنع من تنفيذ ذلك المشروع الحيوي ( وهو مدروس من الوجهة الفنية منذ ما يزيد كثيراً على نصف قرن ) ؟ تمنع من تنفيذه عوامل كثيرة ، ليس أقلها تحكم القوى العالمية في اقتصادياتنا بحيث لا نجد في أي وقت فائضاً من المال نوجهه لمثل هذا المشروع النافع ، ولا فسحة من الوقت ننتظر فيها ثماره ( ولا بد أن يستغرق بضع سنوات من الإنفاق قبل أن يعطي الثمار ) لأننا نلهث دائماً وراء تلك القوى نستمطر رحمتها لكي تسعفنا بلقمة الخبز ، وتجدول لنا الديون التي نقترضها منهم للوفاء بلقمة الخبز للجماهير الجائعة ، ثم تذهب مذاهب لا يعلمها إلا الله ، وتثقل الجماهير بدفع فوائد القروض !!
وفي آسيا مساحات شاسعة من الأرض القابلة للزراعة ، وكميات هائلة من الماء الذي يذهب هدراً في المحيطات ، أو يغرق الأرض في فيضانات هادرة تهلك الحرث والنسل . . ويحتاج الأمر إلى مشروعات هندسية لتنظيم استخدام الماء ، وتخزينه وقت فيضانه وتوجيهه إلى الزراعة وإنتاج الكهرباء . . فما الذي يمنع من تنفيذ تلك المشروعات ؟ ذات العوامل . . ذات القوى المتسلطة التي لا تريد للمسلمين أن يقوموا من وهدتهم .
فكيف تواجه تلك القوى بغير جهاد ؟!
ويقولون : نقوي أنفسنا بالسلاح لكي نواجه الأعداء !
ونقول : مرحباً بتقوية أنفسنا بالسلاح . . فذلك أمر لا غنى عنه في أي حال من الأحوال .
ولكن الوهم يقع مرة أخرى حين نظن أن هذا الطريق موصل بذاته ، بغير جهاد .
فمن أين نأتي بسلاحنا ؟
إنه من عند ذات القوى التي تمنعنا من تطبيق شريعتنا ، وتمنعنا في الوقت ذاته من تملك القوة الحقيقية التي نحمي بها أنفسنا فضلاً عن أن تكون عندنا قوة ترهب الأعداء ، كما أمر رب العالمين :
( وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ) (1) .
وحين نحاول أن نصنّع شيئاً من وسائل القوة تهددنا القوى المتسلطة أو تضربنا .
ولنتذكر جيداً أن " القوى العظمى " مكنت إسرائيل من ضرب المفاعل النووي في إحدى الدول العربية بحجة أنه يهدد أمنها ، بينما تملك إسرائيل ثلاث مفاعلات نووية - بحماية القوى العظمى - تهدد بها أمن العالم العربي بأسره والعالم الإسلامي !
ولنذكر أيضاً أن أمريكا هددت بضرب ليبيا بحجة أنها تسعى في إنشاء مصنع للأسلحة الكيماوية ! بينما تملك كل دول الغرب مصانع ومصانع من كل نوع من أنواع السلاح بما في ذلك الأسلحة الكيماوية الممنوعة على ليبيا !
(1) سورة الأنفال [ 60 ] .