الأخلاق كانت معنى شاملاً يشمل أخلاق السياسة وأخلاق الاقتصاد وأخلاق الاجتماع وأخلاق الفكر وأخلاق الأدب وأخلاق الأسرة وأخلاق الجنس . . . فانحصرت في بعض ألوان السلوك دون بعض ، وتحولت إلى تقاليد خاوية من الروح !
العلم كان شاملاً للعلوم الدينية والعلوم الدنيوية من طب وفلك ورياضيات وفيزياء وكيمياء . . الخ ، فانحصر في العلوم الدينية ، وانحصر في حدود مذهبية ضيقة ، وعصبية مذهبية سقيمة ، وتقليد فكري لا يبدع !
ولما حدث ذلك كله ، نتج عنه التخلف العلمي والمادي ، والحضاري ، والسياسي ، والحربي ، والاقتصادي ، والأخلاقي ، الذي اجتذب الأعداء من كل صوب ليحاولوا القضاء على الإسلام !
" يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها قالوا : أمن قلة نحن يومئذ يا رسول الله ؟ قال : إنكم يومئذ كثير ، ولكنكم غثاء كغثاء السيل ، ولينزعن الله المهابة من صدور أعدائكم ، وليقذفن في قلوبكم الوَهْن . قالوا : وما الوهْن يا رسول الله ؟ قال : حب الدنيا وكراهية الموت " (1) .
فكون المسلمين اليوم مستضعفين . . حقيقةٌ ، ولكنها حقيقة يقع وزرها على المسلمين أنفسهم ، ولا تصلح عذراً لمجموع الأمة يوم القيامة ، اليوم الذي قال الله بشأنه : ( بَلِ الْأِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ ) (2) .
وقد يقول المسلمون - وهم صادقون - إن كيد الأعداء شديد .
ولكن ينبغي أن نذكر أن هذا الكيد ليس ابن اليوم ، وليس ابن الأمس القريب . . إن عمره على وجه التحديد أربعة عشر قرناً ونيفاً ، أي منذ نزل هذا الدين . . ولنعد إلى كتاب الله نجد وصفاً دقيقاً لهذا الكيد من كل الأطراف الحاقدة على لا إله إلا الله ، والأمة التي اقامت لا إله إلا الله واقعاً معاشاً في الأرض ، أولئك هم اليهود والنصارى والمشركون والمنافقون . ما تغير موقفهم منذ أربعة عشر قرناً ، وما تغيرت الأسباب التي دعتهم إلى موقفهم :
( وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ) (3) .
( وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا ) (4) .
( وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ ) (5) .
كلا ! ليس الكيد ابن اليوم ، ولا ابن الأمس القريب . . فهو قديم قديم ، وإن كانت بعض الوسائل قد تغيرت ، فإن كل جيل من البشر يستخدم في صراعاته الأدوات المتاحة له في جيله . . وإنما الذي تغير حقا هو موقف الأمة الإسلامية من هذا الكيد ، وليس الكيد في ذاته ولا وسائل الكيد .
إن الله ينبه الأمة في كتابه المنزل إلى أعدائها ، وإلى مواقفهم ، ووسائلهم ، وتدبيراتهم الظاهرة والخفية ، ثم يقول لهم : ( وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً ) (6) .
هذه إذن هي القضية . .
إنهم لن يكفوا عن الكيد أبداً ما دامت الأمة المسلمة قائمة ، وما دامت هناك فرصة للنيل منها . . ولكن هناك أداة ربانية ترد كيدهم في نحورهم ، فلا يضر الأمة بشيء : ( وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ) (7) .
فما تلك الأداة الربانية التي ترد الكيد فيتراجع خاسئاً وهو حسير ؟ أهي تعويذة تتلى أو تميمة تعلق على الصدر ؟ كلا ! إنها عمل إيجابي ضخم تلخصه هاتان الكلمتان : تصبروا . . وتتقوا .
وحين انحرف فهم المسلمين لكل مفاهيم الإسلام ، انحرف في حسهم كذلك مفهوم الصبر والتقوى ، فتحولا إلى سلبية ليس فيها غناء .
ولنعد إلى سياق الآيات لنفهم المقصود بهاتين الكلمتين العظيمتين .
إن الأعداء يريدون أن يُجْلُوا المسلمين عن دينهم ، ويردوهم من بعد إيمانهم كفاراً . . فما الصبر المطلوب إذاً ؟
إنه الصبر على تكاليف هذا الدين . والصبر في مواجهة الأعداء . وثبات المسلمين على دينهم مهما فعل الأعداء لإجلائهم عنه . .
وما التقوى ؟ إنها تقوى الله . أي اتقاء غضب الله وسخطه . فبأي شيء يتقى غضب الله وسخطه ؟ هل من سبيل إلى ذلك إلا طاعته فيما أمر به والانتهاء عما نهى عنه ؟!
هذا هو الصبر وهذه هي التقوى اللذان يصدان الكيد فلا يضر . وهما كما نرى قوتان إيجابيتان هائلتان ، متينتان كالحصن ، لا يجد الأعداء عندهما ثغرة للنفاذ إلى الأمة وإلحاق الضرر بها . والضرر المقصود هنا ليس هو الأذى الذي يصيب الأفراد ، إنما هو الضرر الذي يلحق بالدين ، الذي هو عماد هذه الأمة وكيانها الحقيقي . أما الأذى فهو يقع ، ولكنه لا يؤثر في كيان الأمة ، ولا يحولها عن طريقها : ( لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذىً وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ ) (8) .
وكذلك كان حال الأمة مع أعدائها يوم كانت قائمة بالشرط . . كانت ممكّنة في الأرض . وكانت هي الغالبة وهي المستعلية . وكان كيد الأعداء مردوداً إلى نحورهم كما ارتد أيام الحروب الصليبية الأولى (9) ، وأيام حروب التتار ، وغيرهم وغيرهم من الأعداء .
(1) أخرجه أحمد وأبو داود .
(2) سورة القيامة [ 14 - 15 ] .
(3) سورة البقرة [ 120 ] .
(4) سورة البقرة [ 217 ] .
(5) سورة البقرة [ 107 ] .
(6) سورة آل عمران [ 120 ] .
(7) سورة آل عمران [ 120 ] .
(8) سورة آل عمران [ 111 ] .
(9) تميزاً لها عن الحروب الصليبية الثانية ، التي تدور منذ قرنين أو ثلاثة وما تزال دائرة .