تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولا تجد " الدول العظمى " في نفسها خجلاً من مثل هذه التصرفات المكشوفة ، لأنها " عظمى " . . لأنها تملك القوة !

ومن قبل تذرعت بريطانيا " العظمى " لاحتلال مصر عام 1882م ، بأن مصر ترمم حصونها الساحلية في أبى قير !! فمجرد ترميم الحصون القديمة اعتبرته بريطانيا عملاً عدائياً ضدها ! عملاً يستوجب التأديب ! .

فهل من سبيل لرفع ذلك الجور المحيط بالأمة الإسلامية في جميع الميادين إلا بالجهاد ؟!

يقولون : نتعلم .

ونقول : مرحباً بالعلم ، فذلك أمر لا غنى عنه في أي حال من الأحوال .

ولكن أبناءنا حين يتعلمون بغير روح الجهاد ، فإنما يتعلمون قشوراً من العلم ، ولا يصبرون على تكاليف العلم الحقيقي . ويتعلمون لكي يحصلوا على ورقة تؤهلهم للوظيفة المريحة في العمل المريح ، ويهربون من العمل الشاق الذي ترتقي به البلاد . ومن شذ منهم فبرز في علمه حقيقة تسعى " القوى العظمى " إلى شرائه ، إما بإغرائه بالهجرة إليها ، وإما بشراء فكره وقلبه فيكون أداة إفساد في وطنه بدلاً من أن يكون أداة إصلاح . .

ويقولون . . ويقولون . . ويقولون . .

كل الوسائل التي يقترحونها تدور في مدى معين ، هو المدى الذي رسمته لنا القوى العالمية التي تحارب تطبيق شريعة الله .. فهل من سبيل إلا بالجهاد ؟!

* * *

يقول الذين يتهيبون الطريق . . كيف نجاهد ونحن مستضعفون ؟ كيق نجاهد ونحن في قبضتهم أنّى اتجهنا ؟

وهؤلاء نقول لهم : انظروا إلى الجهاد الأفغاني . . وانظروا إلى الانتفاضة الإسلامية في فلسطين :

من كان يتصور - أو يصدق - أن أمة شبه عزلاء تضطر أكبر قوة وحشية في التاريخ الحديث أن تسحب جنودها من الميدان ؟!

إن الجهاد الأفغاني آية من آيات الله . . إنه تصديق عملى لما جاء في كتاب الله :

( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ) (1) .

لقد كاد انتصار الفئة القليلة المؤمنة على أضعافها من القوى الكافرة يصبح أسطورة في حس " المسلم المعاصر " ، أو على الأكثر ذكرى لأيام خلت لا يمكن أن تعود !

وحين يقرأ " المسلم المعاصر " في كتاب الله أمثال هذه الايات :

( كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ) (2) .

( وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) (3) .

حين يقرأ " المسلم المعاصر " أمثال هذه الآيات في كتاب الله لا يحس أنها موجهة إليه هو ، ولا موجهة إليه الآن في هذه اللحظة . إنما يقرؤها على أنها كانت موجهة للذين تلقوا القرآن أول مرة ولا علاقة لها بالأجيال الحاضرة ! وهي في حسه رواية عن أحداث مضت ، وليست سنناً جارية تتحقق كلما تحققت أسبابها !

ولكن الجهاد الأفغاني أعادها إلى وضعها الحقيقي . . إنها توجيهات ربانية موجهة للأمة كلها في جميع أجيالها ، وسنن جارية تتحقق كلما تحققت أسبابها . . ( تنصروا الله ) هذا هو المطلوب من الأمة ، وحين يقع ، يترتب عليه الجزاء الرباني ( ينصركم ويثبت اقدامكم ) ، ( وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ) (4) .

والمعركة في أفغانستان ما تزال دائرة ، وما ندري إلى أي شيء ينتهي ذلك الصراع الجبار ، ولكن ما تم منه حتى اللحظة درس للمتهيبين ، ودرس للمترددين ، ودرس للمتشككين . . ودافع في الوقت ذاته لأولي العزم من المجاهدين .

أما الانتفاضة الفلسطينية فهي درس آخر على الطريق .

إنها لا تملك إلا الحجارة . . ولكنها تملك أكبر طاقة يؤتاها البشر : الإيمان .

وقد فعلت الحجارة في يد الصبية المؤمنين ما لم تفعل أربعون سنة من المناورات والمحادثات والمفاوضات والاجتماعات فيما يسمى " المحافل الدولية " وغيرها من المنتديات .

إنها تحقيق آخر للسنن الربانية الجارية ، التي تتحقق كلما تحققت الأسباب .

ودافع لاستنهاض الهمم لمن يملك العزيمة ويبحث عن الطريق . .

* * *

لا بد للأمة الإسلامية - لكي تستعيد مقومات وجودها ، وفي مقدمتها التحاكم إلى شريعة الله ، وتحقيق منهج الله - لابد لها من الجهاد ، فإن الأعداء لن يسلموا لها شيء إلا بالجهاد . . لا التعليم الحقيقي المثمر ، ولا الاقتصاد المستقل ، ولا السلاح . . ولا شيء على الإطلاق . إنهم سيظلون يحاورون ويداورون ، ثم لا يعطون الأمة إلا ما يريدون هم ، وما يحقق مصالحهم هم ، لا ما يحقق الوجود الحقيقي للأمة التي لا يريدون لها الوجود !

والجهاد وحده هو الذي يحقق للأمة كيانها الذي تتطلع إليه . كيانها السياسي . وكيانها الاقتصادي . وكيانها الحضاري ، وكيانها العلمي ، وكل كيان .

ولن يتحقق شيء في يوم وليلة ، فالمشوار طويل ، لأن المدى الذي بعدته هذه الأمة عن طريق الله ، والذي ينبغي أن تقطعه من جديد لتعود إليه . . مدى كبير ، يحتاج إلى زمن غير قصير ، وجهد غير قليل .

ولكنه أمر لا بد منه . .

ينبغي لنا أن نوطن أنفسنا لجهاد طويل . .

(1) سورة محمد [ 7 ] .

(2) سورة البقرة [ 249 ] .

(3) سورة آل عمران [ 146 - 148 ] .

(4) سورة الروم [ 6 ] .

المفصل في شرح حديث من بدل دينه فاقتلوه · الصفحة ٧٢٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في شرح حديث من بدل دينه فاقتلوهص ٧٢٦