تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

( الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ ) (1) .

وجعل الأمة المسلمة مسئولة عن حماية كنائسهم ومعابدهم ، وإتاحة الفرصة لهم لأداء عبادتهم فيها ، وتركت لهم أمورهم الشخصية تحكمها شريعتهم . لذلك عاشوا في ظل الدولة الإسلامية أهنأ عيش تحلم به أقلية في الأرض . وقديماً قال أهل الشام لأبي عبيدة بن الجراح : " أنتم - ولستم على ديننا - أرأف بنا من أهل ديننا (2) . وحين كانت أوربا تضطهد اليهود في العصور الوسطى وتطاردهم على أساس اعتقادهم أنهم صلبوا المسيح عليه السلام ، لم يجدوا صدراً رحباً يؤويهم إلا الدولة الإسلامية في الأندلس ، فلما أخرج المسلمون من الأندلس بعد المذابح البشعة التي ارتكبتها محاكم التفتيش في حقهم هاجر اليهود معهم إلى المغرب ، لينعموا بالعيش الهانئ في ظل الدولة الإسلامية هناك .

وعاشت الأقليات المختلفة في ظل الدولة العثمانية أربعة قرون تنعم بالطمأنينة والحماية ، وتمارس نشاطها كله بلا تحريج عليها ، حتى جاءت روسيا وفرنسا وبريطانيا تثير الأقليات ضد الدولة لتفجرها من داخلها .

قارن هذه الحياة الهادئة المطمئنة للأقليات في ظل الدولة الإسلامية بأحوال الأغلبية المسلمة المقهورة في الحبشة فضلاً عن الأقلية المسلمة في الهند ، والأقلية المسلمة في الفلبين ، وغيرها من الأقليات المسلمة في أرجاء الأرض .

أفبعد ذلك يقول قائل إن من حق الأقليات غير المسلمة أن تمنع الأكثرية المسلمة من ممارسة دينها كما أمرها الله ؟!

وأي مصيبة أصابت " المسلمين " فجعلت أفراداً منهم ، يحملون أسماء مسلمة ، ينادون بعدم تطبيق الشريعة الإسلامية من أجل وجود أقلية غير مسلمة بين ظهرانيهم ، فكأنهم يقولون : اكفروا بدينكم أيها المسملون ، لكي تمارس الأقليات غير المسلمة دينها على التمام !!

==================

المبْحَث السَّادسْ

شُبْهة عَدَم إمْكَانِ تَطبيْق الشَّريعَةِ ِبسَبَبِ الدّولِ العظمَى وَضَغْطِها عَلى العَالم الإِسْلامِيِّ

تبدو هذه الشبهة من بين الشبهات جميعاً أكثرها " واقعية " . . فالدول التي نحيت فيها الشريعة الإسلامية نتيجة التدخل العسكري لأعداء الإسلام ، ما تزال عاجزة عن السيطرة الحقيقية على شئونها وإن كانت قد استقلت ظاهرياً ، بمعنى خروج الجيوش الغازية من أراضيها . فما تزال واقعة تحت السيطرة السياسية أو الاقتصادية لهذه الدولة أو تلك من القوى العالمية التي تسمى " الدول العظمى " ، وما تزال في حالة من الضعف السياسي والاقتصادي والحربي والعلمي والمادي ، تجعل خضوعها لسيطرة تلك القوى أمراً واقعاً ، شئناه أم أبيناه .

ولهذه القضية - في دراستنا هذه - وجهان :

الوجه الأول هو الإجابة على هذا السؤال : لماذا صار العالم الإسلامي إلى هذا الوضع المهين إزاء القوى العالمية المتسلطة ؟

والوجه الثاني هو الإجابة على هذا السؤال : هل حقاً لا نملك أن نصنع شيئاً إزاء ذلك التسلط العالمي على الأمة الإسلامية ؟

فإذا تبينّا هذين الوجهين ، فسيتبين لنا مدى الواقعية الحقيقية لهذه الشبهة من بين الشبهات .

* * *

فأما السؤال الأول فما بنا هنا أن نتكلم عنه بإسهاب (3) . وإنما نختصر الإجابة عنه أشد الاختصار ، فنقول إن السبب في هذا الوضع المهين هو تهاوننا التدريجي المتزايد في التمسك بحقيقة هذا الدين ، وانحسار مفاهيمه كلها عن حقيقتها التي نزلت بها من عند الله ، واتخاذها صورة غريبة على هذا الدين ، بدءاً من مفهوم لا إله إلا الله ، إلى مفهوم العبادة ، إلى مفهوم القضاء والقدر ، إلى مفهوم الدنيا والآخرة ، إلى مفهوم الحضارة وعمارة الأرض ، إلى مفهوم الجهاد ، إلى مفهوم التربية ، إلى مفهوم الأخلاق ، إلى مفهوم العلم . . إلى مفهوم كل شئ في هذا الدين ! (4)

لا إله إلا الله تحولت إلى كلمة تنطق باللسان ، وقد كانت منهج حياة كامل !

العبادة انحصرت في الشعائر التعبدية وقد كانت شاملة لكل عمل وكل فكر وكل شعور في حياة المؤمن !

عقيدة القضاء والقدر كانت قوة دافعة رافعة ، فصارت قوة مثبطة مخذلة !

الدنيا والآخرة كانتا في حس المسلم حسية واحدة وطريقاً واحداً أوله في الدنيا وآخره في الآخرة ، فأصبحت معسكرين متضادين : إما أن تعمل للدنيا وإما أن تعمل للآخرة . . ولا يجتمعان !

الحضارة كانت مفهوماً شاملاً يشمل العقيدة والقيم والأخلاق والنظم والتنظيمات والأفكار والنشاط المعمر للأرض ، فصارت مفوهاً سطحياً مادياً خلواً من القيم الحقيقية التي تتميز بها حياة الإنسان المسلم !

الجهاد كان حركة بانية لإزالة الجاهلية من الأرض ، وإحلال المنهج الرباني محلها ، والتمكين لدين الله في الأرض ، فانحصر في الجهاد " الدفاعي " ثم انحسر على يد الصوفية إلى جهاد النفس وترك الفساد يعج في الأرض !

التربية كانت تربية شاملة هدفها تكوين المسلم المؤمن العالم بدينه ، المتخلق بأخلاقياته ، المجاهد في سبيله ، فصارت تربية تقليدية تخرّج شخصيات سلبية وإمعات لا دور لها في شيء إيجابي ، ولا قدرة لهم على البناء ، ولا على مواجهة مستجدات الحياة .

(1) سورة المائدة [ 5 ] .

(2) انظر " الدعوة إلى الإسلام " ( سبقت الإشارة إليه ) ص 54 .

(3) انظر إن شئت : " واقعنا المعاصر " فصل " آثار الانحراف " .

(4) انظر إن شئت : " مفاهيم ينبغي أن تصحح " .

المفصل في شرح حديث من بدل دينه فاقتلوه · الصفحة ٧٢٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في شرح حديث من بدل دينه فاقتلوهص ٧٢٣