وإنما جاء المفهوم الغربي " العلماني " للدين ، على أنه علاقة خاصة بين العبد والرب ، محلها القلب ، ولا علاقة لها بواقع الحياة . . جاء من مفهوم كنسي محرف ، شعاره : " أدّ ما لقيصر لقيصر وما لله لله " . ومن واقع عانته النصرانية خلال قرونها الثلاثة الأولى ، حين كانت مضطهدة مطادرة من قبل الإمبراطورية الرومانية الوثنية ، فلم تتكمن من تطبيق شريعتها ، واكتفت بالعقيدة والشعائر التعبدية - اضطراراً - واعتبرت ذلك هو " الدين " . وإن كانت لم تتجه إلى استكمال الدين حين صار للبابوية سلطان قاهر على الأباطرة والملوك ، فظل دينها محرفا لا يمثل الدين السماوي المنزل . فلما جاءت العلمانية في العصر الحديث وجدت الطريق ممهداً ، ولم تجد كبير عناء في فصل " الدين " عن " الدولة " ، وتثبيت " الدين " على صورته الهزيلة التي آل إليها في الغرب ، والذي قال الله فيمن يمارسه على هذا النحو : ( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ) ( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) ( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ) وهي صفات ثلاث تلحق بكل من ينحي شريعة الله عن الحكم ، ويحكم بشرائع الجاهلية .
أما الذين ينفذون بعض الشريعة ويعرضون عن سائرها فقد قال الله فيهم :
( أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ) (1) .
وهذا هو الوضع الذي تريد الأقليات غير المسلمة أن تضع فيه المسلمين في كل الأرض ، أو الوضع الذي ينادي به بعض أفراد الأمة الإسلامية ليضعوا المسلمين فيه ، بحجة وجود الأقليات غير المسلمة في العالم الإسلامي !
أي هوان وصل إليه " المسلمون " حين تهاونوا في دين الله ؟! حين قبلوا شعار العلمانية : الدين لله والوطن للجميع ! بينما الله يقول : ( قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ .. ) (2) ويقول : ( وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ ) (3) . والدين كله يعني العقيدة والشعيرة والشريعة كلها سواء !
* * *
ولقد عاشت الأقليات غير المسلمة كما أسلفنا في ظل الدولة الإسلامية المطبقة لشريعة الله ثلاثة عشر قرناً متوالية ، لا تشكو ، ولا تفكر أن تشكو ، ولا تجد مبرراً للشكوى ، لأنها تجد من التسامح الديني ما لا تجده أقلية أخرى في الأرض كلها في جميع التاريخ . واقرأ إن شئت كتابا كاملا في وصف هذا التسامح لمستشرق نصراني هو ت. و. آرنولد T. W. Arnold بعنوان " الدعوة إلى الإسلام The Preaching of Islam " كان مما جاء فيه ( ص51 ) :
" ومن هذه الأمثلة التي قدمناها آنفاً عن ذلك التسامح الذي بسطه المسلمون الظافرون على العرب المسيحيين في القرن الأول من الهجرة ، واستمر في الأجيال المتعاقبة ، نستطيع أن نستخلص بحق أن هذه القبائل المسيحية التي اعتنقت الإسلام ، إنما فعلت ذلك عن اختيار وإرادة حرة . وإن العرب المسيحيين الذين يعيشون في وقتنا هذا بين جماعات مسلمة لشاهد على هذا التسامح " (4) .
إن الله قد أعد هذه الأمة إعداداً خاصا لتحكم رقعة واسعة من الأرض بمن فيها من الأقليات غير المسلمة ، التي علم الله أنها ستكون ضمن رعايا الدولة الإسلامية الحاكمة في الأرض .
فكل أمة سابقة أرسل بعدها رسول ، آمنت بالرسول الذي أرسل إليها وكفرت بمن بعده ، وصار في قلبها غلُّ نحو الذين آمنوا بالرسول الجديد ولو كانوا من قومها الأقربين ، واضطهدتهم اضطهادا شديدا بسبب الخلاف في العقيدة
أما هذه الأمة فقد قدر الله لها أن يكون رسولها هو الرسول الخاتم صلى الله عليه وسلم ، الذي لا نبي بعده ولا رسول ، فلم يجعل في قلبها غِلاًّ لأحد . لا لمن قبلها ، لأن رسولها هو سيد البشر جميعاً وسيد المرسلين ، ولا لأحد يأتي بعدها ، لأنه لن تأتي بعدها أمة جديدة . ثم جعل الإيمان بالرسل السابقين جزءا من عقيدتها ، فلم تضطهد أتباعهم ، ولم تظلمهم بسبب الخلاف في العقيدة :
( الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ أُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) (5) .
ووصى الله الأمة المسلمة بالعدل مع أهل الكتاب ، والقسط لهم ، وأقام الروابط الطيبة يبنها وبينهم :
( فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ .. ) (6) .
(1) سورة البقرة [ 85 ] .
(2) سورة الأنعام [ 162 - 163 ] .
(3) سورة الأنفال [ 39 ] .
(4) ترجمة الدكتور حسن إبراهيم حسن وزميله ، طبع بالقاهرة .
(5) سورة البقرة [ 1 - 5 ] .
(6) سورة الشورى [ 15 ] .