معنى هذه الشبهة بعبارة صريحة أن الأقلية تملك منع الأغلبية من ممارسة دينها !
فمتى كانت هذه في التاريخ كله . . وعلى أي أساس تقوم ؟!
متى كان من حق أي أقلية في التاريخ البشري كله أن تتحكم في الأغلبية ، وتقول لها لا تمارسي دينك الذي تؤمنين به لأن في ذلك عدوانا على كياننا ، أو عدوانا على حقوقنا ؟!
ولنأخذ حال الأقليات المسلمة في بلاد الأرض في واقعنا المعاصر .
إن أقلية واحدة من الأقليات المسلمة في الأرض لم تقم - بداهة - بمطالبة الأكثرية الحاكمة بالكف عن ممارسة دينها ، مجاملة لوجودها بين ظهرانيها . .
ولكنا نريد أن نفترض هذا المستحيل ! فكيف يكون رد الفعل لدى الأكثريات الحاكمة في العالم ، لو تقدمت أقلية مسلمة بمثل هذا الطلب العجيب ؟!
إني أتصور رد الفعل الفوري في آسيا وأفريقيا مذابح للمسلمين تسيل فيها الدماء كالأنهار . وأتصور رد الفعل في العالم " الحرّ ! " مظاهرات صاخبة تطالب بإخراج المسلمين من البلاد !
وليس هذا التصور خيالا بلا حقيقة .
ففي الهند تقوم المذابح بالفعل للمسلمين الهنود ، لا لأنهم - معاذ الله - تقدموا بطلب جنوني مثل هذا الطلب ، إنما فقط لأنهم مسلمون ! فمجرد أنهم مسلمون يثير عليهم حفيظة الوثنيين الهنود عباد البقر ، فيهجمون عليهم ، فيقتلون من يقتلون منهم ، ويحرقون عليهم دورهم ، ثم ينصرفون آمنين لا ينالهم عقاب !
وفي الفلبين جاء النصارى فأخرجوا المسلمين من أرضهم الغنية ، واضطروهم إلى أرض جدبة مجهدة ، ثم لم يكفوا حتى هذه اللحظة عن مضايقتهم ليخرجوهم مما بقي في أيديهم من الأرض ، وتُوَجَّه القوات النظامية لقتالهم بوصفهم " متمردين " . . متمردين بدينهم ! أي بكونهم مسلمين (1) !
وفي العالم الشيوعي - في روسيا والصين - جرت المذابح الجماعية في أبشع صورها ، وقتل الملايين من الناس جهرة لمجرد أنهم مسلمون ، وسميت تلك المذابح الجماعية " حركات تطهير " !
أما إفريقيا فلا يقل حالها سوءا عن ذلك .
ولنأخذ نموذجا من الحبشة .
يظن كثير من الناس أن المسلمين أقلية في الحبشة . وهذا الظن ذاته له دلالة ! فلولا الخسف الذي يحيط بالمسلمين هناك ، والذل الذي يرهقهم ، ما توهم أحد أنهم أقلية ، في حين أنهم يبلغون خمسة وستين في المائة من مجموع السكان ( وذلك قبل ضم أريتريا إلى الحبشة وأغلبيتها الساحقة من المسلمين ) ! ثم سعت الحبشة التي يحكمها النصارى رغم أغلبيتها المسلمة ، سعت إلى ضم أريتريا المسلمة لإذلال المسلمين ، وإجلائهم عن دينهم وعقيدتهم ، فقتلت منهم مئات الألوف ، وما زالت تقتل ، وشردت الملايين . . لمجرد كونهم مسلمين !
وأما في الحبشة ذاتها " فالأغلبية " المسلمة محرومة من حقوقها السياسية حرماناً كاملاً ، فمن حقها أن تكون هي الحاكمة بحكم أنها هي الأغلبية ، فلا تمكّن من ذلك ، ثم لا يكون منها وزير في الحكم ، ولا رجل في منصب حيوي . ولا يدرس لأبنائهم الإسلام في مدارس الدولة التي يشرف عليها النصارى ، ولا يتاح لهم أن يفتحوا مدارس لتعليم أبنائهم القرآن والدين ، إلا " الكتاتيب " التي تظل الدولة ترهقها بالضرائب حتى تغلقها ، ويحرّم على الأحباش المسلمين تلقي المعونات المالية من الخارج للقيام بفتح المدارس الإسلامية لتعليم المسلمين وتثقيفهم ثقافة إسلامية .
كل ذلك وهم أغلبية . . فكيف لو كانوا أقلية . . وكيف لو نادوا - وهم أغلبية - بمنع الأقلية النصراينة الحاكمة من ممارسة دينها ؟ كيف تكون المذابح هناك ؟!
وكانت زنجبار دولة مسلمة في أفريقيا ، فضاق النصارى بوجودهم ، لمجرد كونهم مسلمين ، فهجموا عليهم ذات يوم من الأيام السود ، فذبحوا ثلث السكان ذبحاً ، وضموا من بقى حياً - مع الهوان والذل - في دولة حكمها في يد النصارى ، سميت " تنزانيا " بعد أن كان اسمها " تنجانيقا " إثباتا لذكرى اغتيال زنجبار ، بإبقاء حرفين من اسمها في اسم الدولة الجديدة !! (2) .
كما أن أفريقيا مملوءة بالدول ذوات الأغلبية المسلمة ، التي يحكمها النصارى - وهم الأقلية - ظلما وعدوانا على مسمع من " العالم الحر ! " بل بتحريض وسند من ذلك العالم " الحر ! " .
أما العالم الحر ذاته فاسمع عنه الأعاجيب !
(1) كانت الفلبين منذ قرون طويلة أرضاً إسلامية ، ثم طمعت الصليبية في ضمها إليها ، وعرض " ماجلان " على البابا أن يقود حملة تتولى ضم الفلبين إلى ملك النصارى فعارض البابا في ذلك ثلاث مرات لعدم ثقته بإمكان ذلك لقوة شكيمة المسلمين وتمكنهم في الفلبين ، فلما ألح ماجلان ، وزعم قدرته على تنفيذ مقترحه وافقه البابا في المرة الرابعة ، فصحب حملته الصليبية التي ندرس نحن لأبنائنا - بتأثير الغزو الفكري - أنها كانت رحلة علمية استكشافية ، ونزل ماجلان على إحدى الجزر الفليبينية المسلمة وتجرأ فرفع على أرضها شارة الصليب ، فقتله المسلمون ، وندرس نحن لأبنائنا - بتأثير الغزو الفكري كذلك - أن " المتبربرين " في الفلبين قتلوه لأنهم لم يقدروا رحلته العلمية الاستكشافية !!
(2) التاء والنون في اسم الدولة الجديدة " تنزانيا " يرمزان إلى تنجانيقا ، والزاي والنون يرمزان إلى زنجبار ، وبقية الأحرف وهي الياء والألف الأخيرتان هما من دواعي " توليف " الاسم الجديد ، ولكنهما مشتقان من أصل " تنجانيقا " ولا صلة لهما بزنجبار .