أيهما خير ؟ مجتمع نظيف لا تحدث فيه الجريمة إلا شذوذا يستنكر ، أم مجتمع يعج بالجريمة ، تعمل كل الأجهزة على منعها أو حصرها فتتزايد كل يوم ؟!
وأيهما هو المجتمع المتحضر ؟ المجتمع الذي ينادي فيه رئيس الدولة شعبه فيقول : لا يخرج أحدكم وحده بعد الغروب ، ولا يحملن في جيبه أكثر من ثلاثين دولاراً لكي لا يتعرض للمجرمين وقطاع الطريق (1) ، أم ذلك المجتمع الذي وصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه " (2) .
* * *
وحديث المرأة والحضارة حديث يطول (3) . ولكنا نختصره في كلمات .
لقد كانت المرأة مهينة حقًّا في المجتمع الغربي ، لا تعامل على أنها إنسانة ، وتحرم من كثير من الحقوق . ويتجادل بعض الفلاسفة في شأنها : هل لها روح أم ليس لها روح ؟ وإن كان لها روح فهل هي روح إنسانية أم حيوانية ؟ وإن كانت روحاً إنسانية فهل هي من نفس مستوى روح الرجل أم أقل !
وكانت للرهبانية التي ابتدعتها الكنيسة أثرها في نظرة المجتمع إلى المرأة على أنها أحبولة الشيطان ، التي ينبغي أن يحجر عليها كل الحجر ، لتضييق منافذ الشيطان ، ويُزْرَى بها كل زراية لكي ينخنس الشيطان في داخلها ، ولا يخرج إلى قلوب الرجال في الطريق .
وثارت المرأة - أو أثيرت لأمر يراد - وتحررت - أو تحللت - من جميع القيود . . فخرجت الفتنة هائجة في الطريق ، كما هو مشهود في الغرب . مما لا يحتاج إلى بيان .
ولكن عبرة الحديث أن المرأة في الغرب قد بدأت تتنبه أخيرا إلى أن الرجل قد أطلقها ليعبث بها وبكرامتها وإنسانيتها ، ويستغلها تجارة رابحة عن طريق إثارة الغرائز وتهييج الشهوات . كما أطلقها ليتخفف من شطر من تبعاته وتكاليفه ، ويحمّلها للمرأة " المتحررة " ! فبدأت بعض " العاقلات " يدعون المرأة إلى الرجوع إلى مملكتها التي هجرتها - إلى بيتها - وإلى مهمتها الكبرى التي أهملتها وهي شاردة تبحث عن وسائل البهجة والمتاع ، وهي رعاية النشء الذي تشرد وضاع حين فقد البيت المستقر ، الأم المتفرغة . . كما تبين ذلك من خلال لقاءات قام بها التليفزيون الفرنسي على مدى عام كامل مع فريق من النساء العاملات ، اللواتي يحتل معظمهن مراكز مرموقة في المجتمع ، فرد أكثرهن بأن أمنيتهن الكبرى أن يعدن إلى البيت ويتركن ما حُمِّلْنَه من أعباء ! كما قامت مظاهرة نسائية في أمريكا احتجاجا على عرض ملابس المرأة الداخلية في واجهات المحلات على أجساد " المانيكان " لأن فيه إهانة للمرأة وتدنيساً لكرامتها .
والإسلام هو الذي أعطى المرأة كرامتها الإنسانية ، وحررها من ظلم الجاهلية وصانها في الوقت ذاته من التبذل الذي سيقت إليه المرأة الغربية ثمنا للحصول على حريتها . وما تزال المرأة في بعض بلاد الغرب " المتحضر " لا تستطيع أن تتعامل تعاملاً مباشراً في شئون من شئون الحياة أعطاها الإسلام حق التعامل المباشر فيها ، ولا تزال تفقد اسمها حين تتزوج ويصبح اسمها " مدام فلان " ! التي يقال إن أصلها التاريخي هو الملكية التامة وحرية التصرف (4) ! .
أما الإسلام فيقرر مساواة الرجل والمرأة في الإنسانية ، وفي الجزاء في الآخرة :
( فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَاباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ ) (5) .
ولا ينظر الإسلام إلى المرأة المؤمنة على أنها شيطان ، وإنما هي شريكة في بناء المجتمع على أسسه القويمة :
( وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) (6) .
والذي يريده " الحضاريون التطوريون " في الحقيقة ليس هو تحرير المرأة ، ولا الحفاظ على كرامتها ، إنما هو إشاعة الفاحشة في المجتمع ، لينتهبوا من اللذات ما يشاءون بلا حاجز ولا رقيب . وأولئك هم الشياطين ! :
( إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) (7) .
أما ما يشيع في المجتمع المسلم اليوم من مظاهر جاهلية تجاه المرأة فعلاجه العودة إلى المنهج الرباني الصحيح ، وليس علاجه الانفلات مع الحضاريين التطوريين ، الذين يسعون في الأرض فسادا والله لا يحب الفساد .
=====================
المبحَث الخامِس
شُبهَة عَدَم إِمْكَانِ تَطبيْقِ الشَّريعَةِ بِسَبَبِ وجُودِ الأَقليَّات غَير
المُسْلِمَةِ
(1) من نداء وجهه الرئيس ريجان ، رئيس الولايات المتحدة الأمريكية ، إلى شعبه وقت توليته ، ونشرته الصحف في حينه .
(2) أخرجه البخاري .
(3) انظر إن شئت " مذاهب فكرية معاصرة " فصل " دور اليهود " .
(4) تقول بعض المعاجم اللغوية الأوربية إن الأصل في كلمة " مدام " Madame هو My Domain أي ممتلكات الإنسان التي يملك السلطة الكاملة عليها ! ولا نملك نحن إثبات هذا المعنى ولا نفيه ، وإن كان واقع الحياة الأوربية في العصور الوسطى يظاهره !
(5) سورة آل عمران [ 195 ] .
(6) سورة التوبة [ 71 ] .
(7) سورة النور [ 19 ] .