تقوم في فرنسا اليوم دعوة متزايدة يتزعمها " لوبان " أحد المرشحين لتولي الحكم في فرنسا ، تنادي بطرد المسلمين من فرنسا ، وارتكبت تلك الحركة أعمالا وحشية ، فألقت بخمسة من المسلمين من قطار " المترو " أحياء ، أثناء سير القطار ، فقتلوا على التو . وتهاجم مظاهراتهم المسلمين - والنساء المحجبات خاصة - في طرقات باريس ، مدينة النور ، وإحدى كبريات عواصم " العالم الحر " ! هذا والمسلمون في فرنسا هم الأغلبية الثانية بعد النصارى ، ويبلغ عددهم خمسة ملايين .
وفي بريطانيا تقوم الدولة بحماية الأفّاق الذي كتب كتاب " آيات شيطانية " يسب فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته وأهل بيته سبا مقذعا ليس فيه شيء من تهذيب " الفن " ولا أدب " العلم " ولا لياقة " الذوق " . . وحين يحتج المسلمون على نشر الكتاب تقول لهم الدولة بعبارة صريحة : تلك قوانيننا " الديمقراطية " فمن لم تعجبه أحوالنا فليخرج من بلادنا . . هذا والمسلمون هم الأغلبية بعد النصارى ولا يقل عددهم عن ثلاثة ملايين ، وفيهم عدد غير قليل من البريطانيين الذين دخلوا - طواعية - في دين الإسلام .
كيف إذن لو قامت أقلية إسلامية تنادي بذلك المنكر ، وهو منع الأكثرية الحاكمة من ممارسة دينها لوجود الأقلية المسلمة بين ظهرانيها ؟!
* * *
إنها دعوى منكرة لا سابقة لها في التاريخ !
وقد ظلت الأقليات غير المسلمة تعيش في كنف الدولة المسلمة المطبقة لشريعة الله ثلاثة عشر قرناً كاملة ، لا تشكو ، ولا تفكر في الشكوى ، ولا تجد مبررا للشكوى . . حتى وصل المسلمون إلى حضيض ذلتهم ، فبرزت تلك الدعوى إلى الوجود !
والأقليات غير المسلمة لا تضع الدعوى في صورتها الصريحة بطبيعة الحال - وهي منع الأكثرية المسلمة من ممارسة دينها - لأنها لن تجرؤ على ذلك في البلاد " الإسلامية " مهما وصل استضعاف المسلمين !
إنما ظاهر دعواهم هو تعطيل تطبيق الشريعة فقط ، مع بقاء المسلمين مسلمين ! يمارسون " دينهم " كما يشاءون !
ولعل الدعوى التي ناقشناها في المبحث الأول قد برزت حقيقتها الآن ، وبرزت خلفيتها !
إنه لمثل هذا قيل للمسلمين : أنتم مسلمون ولو لم تطبقوا شريعة الله ! فما دمتم تصلون وتصومون . . أو ما دمتم تقولون لا إله إلا الله فأنتم مسلمون !!
إنه لا إسلام بغير شريعة الله !
وقد ناقشنا هذه القضية في المبحث الأول بما أعتقد أنه يبين وجه الحق في القضية ، ويكفي قوله تعالى :
( فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً ) (1) .
وقوله تعالى :
( وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ .. ) (2) .
لا إسلام بغير شريعة الله !
وإن الدين الذي هو عقيدة فقط ، أو عقيدة وشعائر تعبدية ، دون شريعة تحكم تصرفات الناس في الأرض ، لهو دين جاهلي مزيف لم يتنزل من عند الله . .
وما من رسالة سماوية كانت عقيدة فقط ، أو عقيدة وشعائر تعبدية ، دون شريعة تحكم تصرفات الناس في الأرض .
( وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ) (3) .
فالرسالة التي حملها إلى مدين أخوهم شعيب هي عبادةُ الله وحده بما يتضمنه ذلك من عقيدة وشعائر تعبدية ، وأمرٌ لهم ألا يتصرفوا في أموالهم حسب أهوائهم ، بل يتقيدوا بشريعة الله المنزلة إليهم . وهذا الذي فهمه قوم شعيب واستنكروه منه لكفرهم وجاهليتهم فدمر الله عليهم .
( قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ ) (4) .
أي : أمن مقتضيات دينك الذي تدعونا إليه أن نترك عبادة آلهتنا التي ورثنا عبادتها عن آبائنا ، وأن تقيد تصرفنا في أموالنا فلا نستطيع أن نتصرف فيها إلا بمقتضى التعاليم التي تحملها ؟! ثم يقولون له في سخرية ظاهرة : من أين لك أيها الحليم الرشيد أن تقيدنا بهذه القيود ؟!
وحين قالوا ذلك : أي رفضوا العقيدة والشريعة كانوا كفاراً ومشركين :
( وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ ) (5) .
ونجد في سورة الشعراء سجلاً لمجوعة متتابعة من أنبياء الله صلوات الله وسلامه عليهم ، كل نبي يأمر قومه أن يعبدوا الله ويطيعوا رسوله ، ثم يذكر لهم رسولهم ما هم واقعون فيه من انحراف في تصرفاتهم الدنيوية ، ويطلب منهم تصحيحها بما يناسب مقتضى إيمانهم بالله ، أي بمقتضى الشريعة المنزلة إليهم من عند ربهم :
(1) سورة النساء [ 65 ] .
(2) سورة النور [ 47 - 48 ] .
(3) سورة هود [ 84 - 85 ] .
(4) سورة هود [ 87 ] .
(5) سورة النحل [ 35 ] .