تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولا أحد يقول إن هذه الحضارة سوداء كلها بلا بياض ! وما كانت هناك قط جاهلية من جاهليات التاريخ سوداء كلها بلا بياض !

نعم ! فيها نقط بيضاء كثيرة متناثرة هنا وهناك ، فيها التقدم العلمي ، فيها التقدم التكنولوجي الذي أزاح عن كاهل الإنسان أعباء كثيرة وحمّلها للآلة . فيها الجلد على العمل والصبر والمثابرة . فيها عبقرية التنظيم . فيها الروح العلمية والعملية في تناول المشكلات . فيها " أخلاقيات " نفعية ، نعم ، ولكنها تجعل التعامل اليومي بين الناس بعضهم وبعض مريحا سهلا خاليا من التعقيد . .

كلها نقط بيضاء في هذه الجاهلية ، ولكنها لا ترفع عنها صفة الجاهلية لأنها لا تعرف الله حق معرفته ، ولا تعبده حق عبادته (1) . ثم إنها لن تنقذها من الدمار - في موعده المقدر عند الله - لأنه سنّة حتمية من سنن الله ، تصيب الذين يصرون على تنكب طريقه . . إلا أن يغيّروا ما بأنفسهم فيغير الله لهم :

( إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ ) (2) .

( وَكَأَيِّنْ مَنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ ) (3) .

( فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) (4) .

ومن جهة أخرى فلم يكن من الحتم على هذه الحضارة أن تنبذ الذين لكي تتوصل إلى القوة والتقدم العلمي والتكنولوجي ، فقد كان هذا كله ممكنا - كما أمكن للمسلمين من قبل - لو أن أوربا اعتنقت الإسلام .

* * *

ونخلص من ذلك كله إلى نتائج واضحة :

أولا : أن ظروفا معينة في أوربا هي التي جعلتها تنبذ الدين ، وتقيم عداء بين الدين والحضارة وبين الدين والعلم ، وبين الدين والسياسة ، وبين الدين والاقتصاد . . . الخ .

ثانيا : أن أوربا توهمت أن دينها هو " الدين " . . ومن ثم توهمت أن " الدين " هو الذي ينبغي أن يُنْبَذَ ، وأن الحضارة ينبغي أن تقام بلا دين .

ثالثا : أن أوربا حين انفلتت من دينها الفاسد ، وانفلتت في الوقت ذاته من الضوابط التي تحفظ للإنسان إنسانيته ، واتبعت أهواءها . ثم أقامت على هذا الهوى " حضارة " أعجبتها لأنها تساير أهواءها ثم جعلتها هي الأصل الذي يقاس عليه كل شيء ، ثم قاست الدين على هذا الأصل المعتمد عندها فوجدته مخالفا للأصل المعتمد ، فنبذته ، وجعلت نبذه مقياساً للتقدم والحضارة والرقي ! (5) .

رابعا : أن هذا كله خلل في التصور وخلل في السلوك أنشأته ظروف معينة في أوربا ، وليس قانوناً من قوانين الوجود البشري يسري على كل البشر بالضرورة !

* * *

ثم ننتقل بالحديث إلى الإسلام .

إن مفهوم " الحضارة " في الإسلام يختلف اختلافا بيّنا عن المفهوم الغربي ، وإن التقى معه إلتقاء عارضاً في ضرورة السعي إلى عمارة الأرض .

الحضارة في المفهوم الإسلامي هي النشاط الذي يقوم به الإنسان في شتى مجالات حياته ليحقق غاية وجوده .

ومن ثم ينبغي أن نعلم بادئ ذي بدء غاية الوجود البشري لنحدد بعد ذلك كنه " الحضارة " التي تناسب تلك الغاية وتحققها .

يقول شاعر جاهلي معاصر (6) :

جئت لا أعلم من أين ، ولكني أتيت !

ولقد أبصرت قدامي طريقا فمشيت !

وهكذا انتهت حياته إلى " العبثية " لأنه جهل غاية وجوده . وهو يمثل في الحقيقة أزمة الجاهلية المعاصرة ، التي تقود تلك الجاهلية إلى الجنون كلما أوغلت في الطريق .

والإسلام يحدد تحديداً واضحاً غاية الوجود البشري ، فيضع أمام الإنسان كل شيء في مكانه الصحيح : ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) (7) .

( إِنَّا خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً ) (8) .

( هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا ) (9) .

( وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ) (10) .

( هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ) (11) .

( وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ ) (12) .

( وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ ) (13) .

ونفهم من مجموع هذه الآيات وأمثالها أن الإنسان خلق ليعبد الله وأنه خلق ليكون خليفة في الأرض ، وأنه خلق للابتلاء ، وأنه خلق لقدر من المتاع يناله في الحياة الدنيا ، وأنه خلق ليعمر الأرض بالسعي في مناكبها والأكل من رزق الله ، وبالسعي إلى تسخير طاقات السموات والأرض . .

(1) هذا هو المعنى القرآني للجاهلية كما وردت في مواضع متعددة في القرآن الكريم : الجهل بحقيقة الألوهية ، وعدم اتباع ما أنزل الله .

(2) سورة الرعد [ 11 ] .

(3) سورة الحج [ 48 ] .

(4) سورة الأنعام [ 44 - 45 ] .

(5) يكرر " ألكسيس كاريل " في كتابه " الإنسان ذلك المجهول " ( سبقت الإشارة إليه ) أن الإنسان المعاصر قد صنع لنفسه حضارة خاطئة بدافع شهوته ، ولكنها لا تناسب تكوينه ، ولذلك فهي في طريقها للانهيار .

(6) هو الشاعر إيليا أبو ماضي .

(7) سورة الذاريات [ 56 ] .

(8) سورة الإنسان [ 2 ] .

(9) سورة هود [ 61 ] .

(10) سورة البقرة [ 30 ] .

(11) سورة الملك [ 15 ] .

(12) سورة الجاثية [ 13 ] .

(13) سورة البقرة [ 36 ] .

المفصل في شرح حديث من بدل دينه فاقتلوه · الصفحة ٧١٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في شرح حديث من بدل دينه فاقتلوهص ٧١٥