تقدم العلم في أوربا بما تعلمته في مدارس المسلمين اولا ، وكان أبرز ما تعلمته هو المنهج التجريبي في البحث العلمي . ثم تقدم ثانيا بما بذل الأوربيون من جهد جبار في ميدان التجربة والبحث ، مع الجلد والمثابرة وعبقرية التنظيم . . ولكنه في كل خطواته كان معاديا للدين بسبب حماقة الكنيسة الكبرى في معاداة العلم والعلماء .
وألقى العلم ثماره الجنية على الساحة الأوربية فتقدمت العمارة المادية للأرض تقدما هائلا ، وارتقت أحوال الناس المادية وانتعشت ، واكتسبت أوربا قوة مادية فتحت بها الأرض وسيطرت عليها ، فعاد عليها ذلك بمزيد من الثروة ومزيد من الرفاهية والتقدم المادي .
وكان هذا الوضع " الحديث " أفضل ولا شك من أوضاع أوربا في عهود " الظلام " .
ولما كان هذا كله قد تم بعد إقصاء أوربا لدينها والانفلات منه ، فقد وَقَرَ في وهمها مرة أخرى أن " الدين " هو المعوق عن الحضارة ، وأن الحضارة يجب أن تكون معادية للدين لكي يقطف الناس ثمارها ويستمتعوا بها ، وأن المعيار الذي يعيّر به الرقي البشري هو " الحضارة " وليس " الدين " .
وهنا وَهْمٌ مزدوج وقعت فيه أوربا وهي تفرّ من غول الكنيسة بلا وعي ولا انضباط .
أحد طرفي الوهم تصورها أن " الدين " من حيث هو ، كان هو المعوق عن الحضارة . بينما كان المعوق عن الحضارة في الحقيقة هو دين الكنيسة المحرف ، ثم سلوك الكنيسة بذلك الدين المحرف الذي ابتدعته من عندها ولم يتنزل من عند الله بهذه الصورة المحرفة .
والطرف الآخر من الوهم هو تصور أوربا أن الحياة بلا دين أفضل في جميع الأحوال وفي جميع المجالات من الحياة بالدين . .
وسنسلم بأن حياة أوربا في ظل دينها كانت سيئة ، وكان لا بد لها من التمرد على ذلك الدين لكي تحسن أحوالها السيئة وتخرج من الظلام الدامس الذي كان يكتنف قرونها الوسطى المظلمة .
ولكنا لن نسلم بأن الحياة بلا دين أفضل لأوربا - وللبشرية كافة - من الحياة بالدين الصحيح الذي ينبغي للبشرية كلها أن تدين به .
فقد تقدم العلم ، نعم ، وتقدمت الحياة المادية في جميع مجالاتها ، نعم ، ولكن انظر نظرة فاحصة إلى " الخلاصة " من هذا كله . .
وانظر إلى " الإنسان " هل ارتقى في مجموعه أم انتكس انتكاسة ربما لم ينتكسها في تاريخه الطويل كله . . .
لقد سيطر الإنسان على " البيئة " كما يقول جوليان هكسلي في كتابه " الإنسان في العالم الحديث " الذي سبقت الإشارة إليه في المبحث الثالث ، وأخذ - في ظنه - يسيطر على الفضاء (1) ، ولكنه لم يستطع أن يسيطر على شهواته ، بل فتح لها المجال بكل عنفوانها ، سواء في ذلك شهوة الجنس ، أو شهوة " الاستمتاع " عن أي طريق حلال أو حرام ، أو شهوة السيطرة والتسلط والطغيان .
إن الاستعمار بكل جرائمه وبشاعاته هو ثمرة طبيعية لقيام حضارة جاهلية بلا دين . إنه ليس انحرافا عارضا كان يمكن لهذه الحضارة أن تتجنبه لتحسين سمعتها كما يتوهم بعض المفتونين بهذه الحضارة . إنه نتاج أصيل لها . فحيثما ملك الإنسان القوة ولم يكن يؤمن بالله ورسله ورسالاته فهذا ديدنه خلال التاريخ كله . . يطغى . لأن السلطة تُطْغِي إن لم تردعها وتضبطها مخافة الله وتقواه . ولقد بررت أوربا استعباد الأمم الضعيفة وامتصاص دمائها على نفس النحو الذي كانت الإمبراطورية الرومانية تبرر لنفسها ذلك الامر . . تشابهت قلوبهم ! والسبب دائما واحد . . قوة لا يصحبها دين . وضع إن شئت مقارنة سريعة بين حركة التوسع الإسلامي في الأرض ، وحركة التوسع الروماني في القديم والتوسع الغربي في الحديث ليتبين لك الفرق . التوسع الإسلامي كان يحرر المستعبدين في الأرض كما قال ربعي بن عامر في عبارته البليغة البارعة التي رد فيها على رستم قائد الفرس حين سأله : ما الذي جاء بكم إلى بلادنا ؟ قال : إن الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله ، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة . بينما التوسع الروماني في القديم والتوسع الغربي في الحديث يستعبد الأحرار :
( الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ ) (2) .
وإن الفساد الخلقي ، وما تبعه من انتشار الخمر والمخدرات والشذوذ والجريمة ، هو ثمرة طبيعية لقيام حضارة جاهلية بلا دين ، إنه ليس انحرافا عارضا كان يمكن لهذه الحضارة أن تتجنبه لوقاية نفسها من الدمار ، كما يتوهم المعجبين بها ، الخائفين عليها ! إنما هو نتاج أصيل لها . فحيثما وجدت فرص متاحة للمتاع دون ضابط من دين ينظم ذلك المتاع ، كانت النتيجة واحدة . . الإغراق في الشهوات ، ثم الانحراف .
وإن ألوان الجنون التي طغت اليوم على المجتمع الغربي : جنون الجنس ، وجنون الأزياء ، وجنون الزينة ، وجنون العري ، وجنون السينما ، وجنون التليفزيون ، وجنون الفيديو ، وجنون الكرة ، وغيرها من ألوان الجنون المخزية ، كلها ثمرة لقيام حضارة بلا دين . . إن كانت قد جاءت متأخرة عن بداية قيام هذه الحضارة ، فتلك سنّة طبيعية من سنن الله : التدرج في كل شيء . لا شيء يأتي فجأة في أحوال الناس في الأرض ( إلا العقاب الصاعق من عند الله حين يقدره سبحانه ) إنما يتم كل شيء بالتدريج ، ولكن على ذات الخط الذي يريده الناس لأنفسهم من البداية . فإن أرادوا الاستقامة على طريق الله يسّر الله لهم الطريق ، وإن أرادوا الانحراف زادهم مما يريدون !
(1) مما ينفي هذا الوهم فزع الناس من اتساع فتحة الأوزون في الغلاف الجوي وما قد يترتب على ذلك من نتائج مدمرة لحياة الإنسان على الأرض .
(2) سورة النساء [ 76 ] .