تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولا تعارض بين هذه الأهداف جميعا ، فكلها في النهاية تلتقي في مفهوم العبادة في الإسلام .

لقد خلق الله الإنسان ليكون هو المهيمن المسيطر المنشئ الباني المعمر في الأرض ، وعلم الله أن هذه المهمة تستلزم أن تكون في كيان الإنسان مجموعة من الدوافع القوية تدفعه للقيام بهذا النشاط ، حتى لا تقعد به العقبات عن القيام بمهمته : لا البحار ولا الأنهار ولا الجبال ولا البرد ولا الحر ولا الأمراض . . ولكن الله يعلم كذلك أن هذه الدوافع ( أو سَمِّها الشهوات ) مع لزومها له ، لا تصلح أن يستجيب لها الإنسان إلى آخر المدى لأنها عندئذ تدمره بدلا من أن تعينه على أداء مهمته ، فرسم للاستمتاع بها حدوداً معينة وقال : ( تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا ) و ( تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا ) (1) . وجعل موضع الابتلاء هو هذا : هل يستجيب الإنسان للأمر الرباني ، فيلتزم في تناوله للمتاع بالحدود التي حددها الله ؟ أم يتجاوز الحدود رغبة منه في مزيد من المتاع ؟ وجعل ذلك كله هو " العبادة " التي خلقه من أجلها على سبيل الحصر ، المعبر عنه في الآية الكريمة بالنفي والاستثناء : ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) وهما أقوى أدوات الحصر في اللغة العربية . ثم قدر سبحانه أنه من استجاب لهذه العبادة - بمعناها الواسع الشامل - فإن له الجنة خالدا فيها ، ومن اعرض وعصى واتبع هواه فإن له جهنم خالدا فيها .

تلك هي قصة الإنسان من مبدئه إلى منتهاه . . وهي التي تحدد له كل شيء في حياته منذ يبلغ سن التكليف إلى أن يلقى الله .

وهي التي تحدد له كذلك مفهوم " الحضارة " التي ينبغي أن يسعى إلى إقامتها .

إنها ليست مقصورة على العمارة المادية للأرض - وإن كانت تشملها - إنما هي على وجه التحديد : عمارة الأرض بمقتضى المنهج الرباني . وعندئذ فقط تصبح محققة لغاية الوجود البشري ، لأنها عندئذ تدخل في مفهوم العبادة الواسع الذي تشمله الآية الكريمة :

( قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ ... ) (2) .

والمنهج الرباني هو هذا الدين !

( إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْأِسْلامُ ) (3) .

( وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) (4) .

ومن ثم فالدين هو الحضارة . . والحضارة هي الإسلام !

وهذا هو الذي فهمه المسلمون وهم يقيمون أروع حضارة في تاريخ البشرية . . الحضارة التي حررت " الإنسان " من العبودية لغير الله . من الجهل والخرافة . من الأنانية والتسلط . من العبودية للهوى والشهوات . من الظلم في جميع أشكاله : السياسية والإِقتصادية والاجتماعية . . ظلم النفس وظلم الآخرين . والتي حررت المرأة وحررت العبيد ، ورفعت الناس إلى المستوى اللائق بالإنسان .

وهي فوق ذلك التي حوت العلم النافع ، وظلت تعلمه للبشرية عدة قرون ، سواء في مجال العلوم الشرعية أو العلوم الدنيوية التي برعت فيها الأمة الإِسلامية يوم كانت تتمسك بدين الله .

* * *

المعيار إذن هو الدين ! هو الإسلام ! لأنه هو الذي يحدد غاية الوجود البشري ، ويحدد من ثم شكل النشاط الذي يحقق تلك الغاية على أحسن وجه . . وتلك هي الحضارة الحقة اللائقة بالإنسان . .

ما بال بعض " المسلمين " إذن يزوون وجوههم وقلوبهم وأفكارهم عن الحضارة الحقة والمعيار الحق ، ليتخذوا المعيار المختل الذي ابتليت به أوربا لظروفها الخاصة هناك ؟!

لكي نحسن الظن بهم نقول إن واقع المسلمين اليوم ، السيئ غاية السوء ، هو الذي لوى أعناق هؤلاء عن المفهوم الصحيح للحضارة ، فاتخذوا بدلا منه معيار أوربا ، الذي يصور الدين معوقاً عن الحضارة ، وينادي بنبذ الدين لكي تتقدم الحياة .

ولكنا مهما أحسنّا الظن بهم لا نستطيع أن نعتذر عنهم !

وكيف نعتذر عن قوم يسمعون كلام الله فيزورون عنه ، ويقولون : سنتخذ المعيار الغربي بدلا من كلام الله ؟! .

واقع المسلمين اليوم سيئ لا بسبب تمسكهم بالدين ، بل بسبب بعدهم عن الدين . ولهذا فهم غير متحضرين . ويوم كانوا يعرفون دينهم المعرفة الحقة ، ويتمسكون به على بصيرة كانوا هم الأمة المتحضرة في الأرض . وسبيلهم إلى الحضارة اليوم أن يعودوا إلى دينهم ، فيجدوا فيه كل مقومات الحضارة ، وأولها معرفة الله وعبادته ، واتباع ما أنزل الله .

إن التخلف العلمي والمادي والحربي والسياسي والاقتصادي والأخلاقي ، الذي يشكل في مجموعه " التخلف الحضاري " ليس هو الداء الاصيل في هذه الأمة ، كما يتصور الذين يفهمون أن نقل حضارة الغرب إلى الشرق هو الذي سيخلص الأمة من تخلفها ، وينشئها نشاة جديدة !

إن هذا التخلف بكل فروعه وأشكاله إنما هو نتيجة لتخلف العقيدة في نفوس المسلمين . لأن هذه العقيدة هي التي منحت المسلمين التقدم العلمي والمادي والحربي والسياسي والاقتصادي والأخلاقي . . يوم كانوا مؤمنين حقا بهذا الدين .

فالذين يتخذون واقع المسلمين السيئ ذريعة لتنحية الشريعة الإسلامية ، هم فوق هزيمتهم الروحية والفكرية أمام الغرب ، جاهلون بحقائق التاريخ ، بالإضافة إلى جهلهم بالسنن الربانية التي تحكم حياة البشر على الأرض .

* * *

(1) يلاحظ أنه حين تكون الشهوة عنيفة يرد قوله تعالى : ( تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا ) [ سورة البقرة : 187] لأن القرب لا يؤمن معه الزلل أما الدوافع التي يؤمن الزلل فيها فيجيء في شأنها ( تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا ) [ سورة البقرة : 229 ] .

(2) سورة الأنعام [ 162 - 163 ] .

(3) سورة آل عمران [ 19 ] .

(4) سورة آل عمران [ 85 ] .

المفصل في شرح حديث من بدل دينه فاقتلوه · الصفحة ٧١٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في شرح حديث من بدل دينه فاقتلوهص ٧١٦