تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تتغير الصور السياسية ، بتغير حجم الدولة وطريقة إدارتها ، وتغير وضع الفرد من كونه فردا في قبيلة إلى كونه فردا في أمة ، وتغير مدى استقلاله بفرديته وممارسة حياتها من خلالها ، واعتبارات أخرى جمة متشابكة ، فتتغير بذلك صورة الحكم وتنظيماته ولكن لا تتغير الأصول الثابتة التي تحكم " السياسة الشرعية " : تحكيم شريعة الله ، والبيعة ، والشورى ، والسمع والطاعة من الرعية لولي الأمر في حدود طاعة ولي الأمر لله ورسوله ، والنصح من الرعية لولي الأمر عملا بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بما تحدده الآيات القرآنية والأحاديث النبوية :

( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ) (1) .

" الدين النصيحة. قلنا : لمن يا رسول الله ؟ قال : لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم " (2) .

" إنه كان لكل نبي كان قبلي حواريون يهتدون بهديه ويأتمرون بأمره ، ثم إنه تخلف من بعد ذلك خلوف ، يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون . فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن . ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن . ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن . وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل " (3) .

" إنه يكون عليكم أمراء فتعرفون منهم وتنكرون . فمن أنكر فقد سلم ومن كره فقد برئ ولكن من رضى وتابع " (4) إلخ . . إلخ . . (5) .

أما شكل الحكم . . وأما طريقة الشورى . . وأما توزيع المسئوليات بين الحاكم ونوابه ومعاونيه . . . وأما طريقة تولية الحاكم وطريقة تنحيته إذا استوجب الأمر تنحيته ، فكلها أمور قابلة للتغيير ، بما يتفق مع أحوال كل أمة وكل عصر .

* * *

وتتغير الصورة الاقتصادية بتغير أدوات الإنتاج وتقدم العلوم والتكنولوجيا ، ومدى تسخير الإنسان لطاقات الكون المادى بما يفتح الله له من أبواب المعرفة . . واعتبارات أخرى كثيرة متشابكة . ولكن لا تتغير الأصول الثابتة التي تحكم سياسة المال : أن المال مال الله ، والبشر مستخلفون فيه ، ومأمورون أن ينفذوا فيه شرع الله . وأنه لا بد من نظافة المال في المأخذ فلا غصب ولا سرقة ولا غش ولا ربا ولا احتكار ولا أكل لمال الأجير . . ولا بد من نظافته في الإنفاق فلا ينفق في سرف ولا ترف ولا مخيلة ولا في محرم . . ولا بد من أداء زكاته ، ثم الإنفاق منه في سبيل الله لا تكلف نفس إلا وسعها .

أما شكل العمليات الاقتصادية ومواضع المشاركين فيها فهي عرضة للتغير الدائم بحسب الأحوال .

* * *

وتتغير الصورة الاجتماعية ، فيكون المجتمع قبليا ، وحدته هي القبيلة ، ورئيس القبيلة هو نائبها وممثلها وولي أمرها الذي تأتمر بأمره ، ويمارس الفرد وجوده من خلال القبيلة ، أو يكون المجتمع أمة ذابت فيها الكيانات القبلية فأصبح الفرد يمارس وجوده فردا ويمثل نفسه بنفسه . . ويقوم البيت بالتربية والتوجيه مستقلا أو تشاركه مؤسسات اخرى كالمدرسة ووسائل الإعلام ، أو تقوم المؤسسات بالدور الأكبر وتظل للبيت روابطه العاطفية . . ويكون البيت أسرة كبيرة يعيش فيها الوالدان والأبناء ، والجدود والأحفاد ، أو أسرة صغيرة تقتصر على الوالدين والأبناء . . الخ . . الخ ولكن تبقى الأصول الثابتة للعلاقات الاجتماعية :

( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ) (6) .

( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ ) (7) .

( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً ) (8) .

( وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ) (9) .

( وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ) (10) .

* * *

وحين تتغير الصورة : السياسية أو الإقتصادية أو الاجتماعية ، تحتاج إلى أحكام جديدة مستمدة من الشريعة . والوسيلة الشرعية لذلك هي الاجتهاد فيما ليس فيه نص . وهي المزية الكبرى لهذه الشريعة ، التي تجعلها صالحة لاستيعاب ما يجدّ في حياة الناس ، وربطه بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم إلى أن تقوم الساعة لا يند عنها شيء .

والاجتهاد مأذون به بل مأمور به :

( فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ ) (11) .

(1) سورة النساء [ 59 ] .

(2) أخرجه مسلم .

(3) أخرجه مسلم .

(4) أخرجه مسلم .

(5) تراجع كتب السياسة الشرعية ككتاب الماوردي وغيره .

(6) سورة الحجرات [ 10 ] .

(7) سورة الحجرات [ 11 ] .

(8) سورة الحجرات [ 12 ] .

(9) سورة النساء [ 36 ] .

(10) سورة المائدة [ 2 ] .

(11) سورة الحشر [ 2 ] .

المفصل في شرح حديث من بدل دينه فاقتلوه · الصفحة ٧١١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في شرح حديث من بدل دينه فاقتلوهص ٧١١