سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذا - رضي الله عنه - وهو يوليه على اليمن : كيف تقضي إذا عرض لك قضاء ؟ قال : أقضي بكتاب الله . قال : فإن لم تجد في كتاب الله ؟ قال : فبسنة رسوله صلى الله عليه وسلم . قال : فإن لم تجد في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : اجتهد رأيي . فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم على صدره موافقا ومؤيداً لما يقول (1) .
وللاجتهاد شروطه المعروفة من علم بالفقه وعلم بالأصول وعلم بالآلة ( اللغة ) وبصر بأحوال الناس وقدرة على الاستنباط واستقامة في الخلق وامانة في الدين . ولكنه أولا وأخيرا أداة ربانية زود الله بها هذه الأمة لتظل تحت مظلة الشريعة لا تخرج عنها ولا تستبدل بها حكم الجاهلية ، ولتتحرك الحركة المنضبطة ، فلا تجمد في مكانها حيث تقتضي حركة الحياة أن تتقدم ، ولا تنفلت في حركتها فتخرج عن مقاصد الشريعة ، فيحدث الفساد في الارض .
وحصيلة الاجتهاد الدائمة : صور متغيرة تدور حول محاور ثابتة . سنة الله في الخلق كله وفي حياة الإنسان . فتلتقي الشريعة المنزلة في نسق واحد مع الكون والحياة والإنسان .
( كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ ) (2) .
=======================
المبحَث الرّابع -شُبْهَة تَعارُض أحكَام الشريْعة مَعَ مقتضَيَاتِ الحضَارة الحَديثة
وَوُجُوبُ الأَخْذِ بِمَعَايِيرْ الحَضَارة دُوْنَ الشَّرِيعَة
ألمحنا في المبحث الثالث إلى بعض جوانب هذه القضية : قضية تعارض أحكام الشريعة مع مقتضيات الحضارة الحديثة . فهي في صميمها فرع عن قضية التطور التي تفترض أن كل جديد هو بالضرورة خير من كل قديم ، لمجرد أن هذا جديد وذاك قديم ، لا لمزية موضوعية في هذا ليست موجودة في ذاك ! وإذ كانت الحضارة القائمة اليوم " حديثة " فهي بهذا الاعتبار خير من كل قديم سبق . . ولو كان منزلاً من عند الله !
وقد نشأ هذا الوهم في أوربا من مجموعة من العوامل بعضها حق وكثير منها باطل . ولكنه وَهْمٌ ركب الناس وهم فارّون من شبح الكنيسة المزعج ( كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (3) ! ولو لم يكونوا في حالة فرار ، ولو لم يكن قسورة وراءهم ، فلربما كانوا يتعقلون في هذا الأمر - وفي أمور كثيرة غيره - فلا يتصرفون بلا وعي كما يتصرفون الآن ، ثم يبثون أوهامهم - بسيطرتهم العسكرية والاقتصادية والسياسية والعلمية - على بقية الأرض .
حقيقة إن العصر الذي ساد فيه الدين الكنسي المحرف كان عهد ظلام في أوربا ، كما يصفون هم بحق عصورهم الوسطى المظلمة . وإن العصر الذي تلا ذلك ، وانحسر فيه سلطان الكنيسة وسلطان ذلك الدين كان عهد نور وتفتح ، وعهد تقدم في كل ميادين الحياة ، وعهد قوة وسيطرة بالنسبة لأوربا خاصة .
وقد فهمت أوربا من ذلك أن " الدين " هو سبب التأخر ، وأن الحضارة التي لا تقوم على الدين هي سرُّ الفلاح في الدنيا ، وهي التي تحوز للإنسان كل أسباب القوة والتقدم والرقي .
وقد نحاول أن نلتمس الأعذار لأوربا في طغيان الكنيسة الجائر الذي مارسته على الناس في كل مجالات الحياة ، فكان منه طغيان روحي وطغيان مالي وطغيان سياسي وطغيان عقلي وطغيان علمي . . وكان يحصى على الناس حتى خطرات نفوسهم التي لا يبوحون بها ، ويعذبهم على يد محاكم التفتيش عند أول شبهة تقوم حول ولائهم للكنيسة ومعتقداتها . . وقد نحاول أن نلتمس لها الأعذار مرة أخرى في أن النموذج الإسلامي - الذي كان قمينا أن يصلح الحياة في أوربا لو اعتنقت الإسلام - قد شوهت الكنيسة صورته في نفوس الأوربيين ببشاعة حين خشيت من تأثير التوغل الإسلامي في شرق أوربا ، كما خشيت من تأثير " الغزو الفكري " الإسلامي ، العائد من المبتعثين الأوربيين إلى بلاد الإسلام ومعاهد العلم الإسلامية . يقول المؤرخ الإنجليزي ويلز في كتابه " معالم تاريخ الإنسانية " : " ولو تهيأ لرجل ذي بصيرة نفاذة أن ينظر إلى العالم في مفتتح القرن السادس عشر ، فلعله كان يستنتج أنه لن تمضي إلا بضع أجيال قليلة لا يلبث بعدها العالم أجمع أن يصبح مغوليا - وربما أصبح إسلاميا " ! (4).
ولكن أوربا على أي حال قد أخطأت في تصورها من جانبين في آن واحد . الجانب الأول هو تصورها للدين الكنسي المحرف على أنه هو " الدين " . وأن الخيار الوحيد أمامها هو إما البقاء في ذلك الدين مع الظلم والظلام والتأخر ، وإما الحياة بلا دين ( وذلك بعد أن عجزت حركات " الإصلاح الديني " عن إحداث تغيير جوهري في جوهر المشكلة ) . والجانب الآخر هو تصورها - بعد ما خرجت من الدين - أن التمكين في الأرض هو الغاية القصوى التي خلق الإنسان من أجلها ، وأنه إذا حققها بأي وسيلة فقد فاز ! وذلك تصور جاهلي من جميع أبعاده . فلا التمكين في الأرض - بأية وسيلة - هو غاية الوجود البشري ، ولا تحقيقه - وحده - علامة على " التفوق " بالمعيار الإنساني اللائق بالإنسان !
إن الله يعطي التمكين في الدنيا للكافر وللمؤمن معاً إذا توفرت من جانبه أسباب التمكين :
( كُلّاً نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً ) (5) .
( مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ ) (6) .
(1) رواه أبو داود .
(2) سورة ص [ 29 ] .
(3) سورة المدثر [ 50 - 51 ] .
(4) ويلز ، معالم تاريخ الإنسانية ، ترجمة عبد العزيز توفيق جاويد ، القاهرة ، ط3 1967 م ، ج3 ص966 .
(5) سورة الإسراء [ 20 ] .
(6) سورة هود [ 15 ] .