تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكما ثبتت الشريعة طريقة اللقاء بين الجنسين ، فحددته في الزواج ، دون المسافحة ولا اتخاذ الأخدان (1) :

( الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْأِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) (2) .

أقول : كما ثبتت الشريعة طريقة اللقاء بين الجنسين ، حددت كذلك كل ما يترتب على هذه العلاقة ، وما يقع في داخلها بأحكام ثابتة غير قابلة للتغيير ، لأنها ترتكز على ثوابت غير قابلة للتغيير .

ومما تجادل فيه الجاهلية المعاصرة - بتأثير " قضية المرأة " وطلبها المساواة الكاملة مع الرجل في كل شيء - قضية القوامة وقضية الميراث ، وتنادي الجاهلية المعاصرة بوضع كلتا القضيتين على الخط المتغير بحجة التطور الذي شمل كل شيء في الحياة !

فأما في قضية القوامة ، فإن المرأة المسترجلة التي سعت الجاهلية الحديثة إلى تنشئتها لأمر يراد ، قد تعلمت وعملت ، وشغلت الوظائف العامة ، ولم تستطع مع ذلك أن تغير طبيعتها العاطفية التي خلقها الله بها لتوفي مطالب الطفولة، والله أعلم وأحكم من أن يخلق جنسين متماثلين ، ثم يفرق بينهما في الوظيفة وفي التكوين الجسدي والحيوي ! إنما اقتضت حكمته سبحانه حين حدد لكل من الجنسين وظيفة ، ان يخص كلا منهما بخصائص حيوية ونفسية تلائم وظيفته ، ولا عبرة بوجود امرأة بين ملايين النساء تسمى " المرأة الحديدية " أو الفضية أو النحاسية ! فالأحكام تلحق بالعموم لا بالحالات الشاذة التي لا يقاس عليها (3) ! وقضية القوامة فرع عن قضية التكوين الجسدي والحيوي والنفسي ، لا تتغير حتى تفسد الفطرة ، وحين تفسد الفطرة يعم الفساد في الأرض .

وأما قضية الميراث فهي ناشئة كذلك عن توزيع الوظائف وتوزيع التكاليف .

الرجل هو المكلف بالإنفاق - إلزاما لا تطوعا - والمرأة لا تكلف بالإنفاق ، فإذا تطوعت بذلك من عند نفسها فليس ذلك تكليفا ترتب عليه تبعات .

والفريق الذي كلفه الله بالإنفاق أعطاه نصيبين، أما الفريق الذي لم يكلف بالإنفاق فقد منحه الله نصيباً واحداً لذات نفسه ، ثم قال تعالى :

( وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً ) (4) .

ومن فضل الله على العباد أنه يدخل الناس الجنة لا على قدر أموالهم ، ولا قدر وظائفهم في الحياة الدنيا ، وإنما على قدر ما يتعبدونه بالطاعات والإخبات .

* * *

تلك أمور ثبتت الشريعة أحكامها ولم تجعلها قابلة للتغيير ، ولا يدخل تحتها كذلك متغيرات ، لأن التغيير فيها يحدث من المفاسد ما نرى بعض آثاره في واقع العالم المعاصر ، مما هو مشهود ومشهور .

ولكن هناك أمورا أخرى - كثيرة - يعلم الله أنها تتغير ، ولا يريد الله لها أن تجمد على حالة معينة ، هي حالتها وقت نزول هذه الشريعة المباركة .

ولم يكن غائبا عن علم الله وحكمته - كما يتصور المجادلون بوعي منهم أو بغير وعي - أن حركة الإنسان في الأرض ، واحتكاكه الدائم بالكون المادي ، وسعيه إلى تسخير طاقاته ، وسعيه إلى تصنيع خاماته ، وتحسين أدواته ، وتجميل وسائل حياته ، سيقوده إلى إحداث تغييرات مستمرة في صور حياته : السياسية والاقتصادية والاجتماعية .

والله هو الذي خلق الإنسان ، وأودع فيه ما أودع من طاقات ونزعات ، وهيأه بذلك لعمارة الأرض والقيام بدور الخلافة فيها:

( هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا ) (5) .

ويريد الله للإنسان أن تكون حياته مثمرة نامية مباركة:

( هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ) (6) .

( وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ ) (7) .

وحيث سبق ذلك في علم الله ، وفي حكمته ، وسبق في علمه كذلك وحكمته أنه سينزل رسالته الخاتمة على خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم ولن يرسل رسولا بعده ، وسيكلف البشر بإقامة تلك الشريعة - بعد كمالها (8) - إلى آخر الزمان ، فقد اقتضت حكمته سبحانه أن ينزل في تلك الأمور المتغيرة أصولا ثابتة تتسع للصور المتغيرة وتضبط حركتها في الوقت ذاته .

(1) المسافحة هي البغاء واتخاذ الأخدان لون خاص من البغاء هو ما تتخذه الجاهلية المعاصرة باسم " الصداقة " Boy Friend و Girl Friend.

(2) سورة المائدة [ 5 ] .

(3) راجع " أليكسيس كاريل ، الإنسان ذلك المجهول ، ترجمة شفيق أسعد ، بيروت ، ط3 ، خاصة ص 108 حيث يقول : " إن كل خلية في جسم المرأة تحمل طابع جنسها " .

(4) سورة النساء [ ص32 ] .

(5) سورة هود [ 61 ] .

(6) سورة الملك [ 16 ] .

(7) سورة فصلت [ 10 ] .

(8) قال تعالى : ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً ) [ سورة المائدة:3]

المفصل في شرح حديث من بدل دينه فاقتلوه · الصفحة ٧١٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في شرح حديث من بدل دينه فاقتلوهص ٧١٠