تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولذلك ظلت أوربا - حتى أيام تدينها - تنظر إلى الشريعة على أنها أخلاقيات ، ولا تنظر إليها على انها أحكام واجبة التنفيذ . فلما بدأت نهضتها المعادية للدين أو المفارقة له ، خف وزن الشريعة في حسها بصورة متزايدة . . حتى إذا جاءت لوثة التطور زال من حسهم نهائيا كل توقير للشريعة ، وتجرءوا على نقدها والتنديد بها على أنها من التراث " الرجعي " الذي ينبغي للتطور أن يزيله ويستبدل به شيئا " حديثا " ، يعتبر من أجل حداثته قبل كل شئ آخر ، سواءً كان مستحقا للاعتبار في ذاته أم غير مستحق ! وكان الشئ " الحديث " الذي ابتليت به أوربا هو " علم التحليل النفسي " (1) أو - في الحقيقة " علم تبرير الجريمة " ، والنظر إلى المجرم على أنه مجنى عليه ، لا يستحق أن يوقع عليه العقاب .

ولا نناقش هنا مفهوم الغرب عن الجريمة والعقاب (2) ، فنحن معنيون في هذا المبحث - كما أسلفنا - بنقطة واحدة معينة هي قضية التطور . فنقول فقط إن أوربا حين وضعت قضية الجريمة والعقاب على الخط المتغير ، وأفتت لنفسها بوجوب تغيير أحكام الشريعة الربانية في هذا الشأن ، واتخاذ قوانين بشرية بدلا منها (3) ، قد ابتليت - كما يعرف الناس جميعا - بطوفان من الجريمة آخذ في التزايد باستمرار ، وعلى الرغم من كل الاحتياطات التي تقوم بها دول الغرب ، وعلى الرغم من كل الدراسات : التربوية والنفسية والاجتماعية والقانونية والإعلامية . . الخ ، التي تقوم بها تلك الدول في فترات متقاربة لا تنقطع !

وما يشهد به الواقع فهو غني عن البيان !

ومن أبلغ ما يشهد به الواقع - مما تذكره تقريراتهم هم أنفسهم - ما حدث منذ سنوات ، وأشارت إليه صحف العالم كله في حينه ، من أن محطة القوى الكهربائية في نيويورك تعطلت ذات مرة لمدة خمس وعشرين ساعة متوالية ، أي نهارا وليلة كاملين ( بزيادة ساعة كذلك ! ) فارتكب في نيويورك في تلك الليلة الواحدة ما يوازي جرائم سنة كاملة بسبب الظلام !!

* * *

وأما علاقات الجنسين فقد ثبتت الشريعة أحكامها لأنها قائمة على " ثوابث " لا تتغير : الرجل من جهة ، والمرأة من جهة ، وعلاقة التجاذب بين الجنسين من جهة ثالثة . مالذي يمكن أن يتغير في هذه الثوابت ؟!

إنه ما دام الرجل رجلا والمرأة امرأة ، ومادامت العلاقة بينهما هي علاقة التجاذب ، فلا بد أن يحدث اللقاء . وليس لهذا اللقاء إلا إحدى صورتين : صورة منضبطة ، تجعل لهذا اللقاء هدفا أو أهدافا محددة ، وضوابط معينة ، وتبعات " إنسانية " مترتبة عليها ، وإما صورة غير منضبطة بهدف ولا تبعات .

وقد كانت علاقات الجنسين في الغرب منضبطة بضوابط الدين الثابتة حين كانت أوربا متمسكة بآداب دينها (4) ، فلما خرجت على دينها وتمردت عليه ، رأت أن تنقل هذه العلاقات من الخط الثابت إلى الخط المتغير . . فماذا كانت النتيجة .

النتيجة هي ما نراه اليوم في الغرب - وفي العالم الذي سيطر عليه الغرب - من الفوضى الجنسية والتحلل الخلقي، وجرائم الجنس المتفشية رغم ذلك التحلل ، أو - بالأحرى - بسبب ذلك التحلل .

وما يشهد به الواقع لا يحتاج إلى بيان !

إن الإنسان - منذ خلقه الله - " إنسان " ! وليس حيوانا متطورا كما زعمت الداروينية القديمة بغير دليل علمي (5) ، وللإنسان أهداف في حياته غير أهداف الحيوان ، وسلوك كذلك غير سلوك الحيوان .

( إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ ) (6) .

وعلاقات الجنس - ككل شيء في حياة الإنسان - ذات غاية " إنسانية " ، وضوابط كذلك " إنسانية " .

( وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ) (7) .

أما نزوة الجسد فهي من خصائص الحيوان . وأما السكن والسكينة والمودة والرحمة فهي من خصائص الإنسان .

وقد لزم - في علم الله العليم الحكيم - لكي تتحول نزوة الجسد الحيوانية إلى سكن وسكينة ومودة ورحمة أن تكون لها ضوابط إنسانية ، وأن تترتب عليها تبعات ، فحدد لذلك الحدود ، وقال سبحانه : ( تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا ) (8) وفي داخل تلك الحدود ، التي حددها الله بعلمه وحكمته ، تتحقق سكينة الجسد وسكينة النفس ، ويوجد المحضن الآمن الذي يتربى فيه النشء الجديد ليعمر وجه الأرض ، وتتحقق سكينة المجتمع بتضييق مدى الجريمة ، وتأمين الناس على أعراضهم وأرواحهم ، كما تتحقق النظافة اللائقة بالإنسان .

وثبتت الشريعة المنزلة هذه الحدود ، لأنها هي السبيل الوحيد لتحقيق هذه الأهداف ، ولأنها كلما خولفت - خلال التاريخ - حدثت الفوضى التي نرى نموذجا منها اليوم ، وحدثت الاختلالات .

(1) مؤسسة هوفرويد ، وهو يهودي . ومن أخطر ما يؤدي إليه التحليل النفسي على طريقة فرويد إسقاط مسئولية الإنسان عن أعماله على أساس أنها ردود فعل قهرية لحالات مرضية وعقد نفسية ، وهو مبدأ مدمر للأخلاق كما هو ظاهر .

(2) سنتعرض لهذه القضية بشيء من التفصيل في المبحث القادم .

(3) لم تطبق الشريعة تطبيقاً واقعياً في أوربا كما أسلفنا ، ولكن كان لها مع ذلك توقير " أدبي " في حس الناس .

(4) كانت أوربا في الواقع متزمتة في شأن هذه العلاقات بتأثير الرهبانية التي ابتدعها النصارى دون تكليف من الله : ( وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ ) [ الحديد: من الآية27 ] .

(5) سبقت الإشارة إلى أن الداروينية الحديثة رغم اعتقادها بمبدأ التطور تقرر تفرد الإنسان .

(6) سورة ص [ 71 - 72 ] .

(7) سورة الروم [ 21 ] .

(8) سورة البقرة [ 187 ] .

المفصل في شرح حديث من بدل دينه فاقتلوه · الصفحة ٧٠٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في شرح حديث من بدل دينه فاقتلوهص ٧٠٩