وإنما احتاج التطوريون لكي يزحزحوا هذه الحقيقة عن ثباتها ويضعوها على الخط المتغير ، أن يكذبوا كذبة " علمية " ضخمة ، ولم يجيئوا عليها بدليل واحد ، هي كذبة " الخلق الذاتي " دون إله ! وكذبة أخرى لا تقلّ عنها إيغالا في الخرافة هي كذبة الطبيعة الخالقة ، التي " تخلق كل شئ ولا حدّ لقدرتها على الخلق " (1) !
والقضية الثانية الثابتة - المنبثقة من القضية الأولى والمترتبة عليها - هي لزوم الحكم بما أنزل الله :
( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (2) ) (3) .
وقد كانت حجة التطوريين - أو إحدى حججهم - في نبذ الشريعة الربانية واستبدال حكم البشر بها ، أن الإنسان قد شبَّ عن الطوق ولم يعد في حاجة إلى وصاية الله !
ولا يستطيع الإنسان أن يمنع نفسه من العجب من ذلك الإنسان الذي شب عن الطوق ولم يعد في حاجة إلى وصاية الله ، وهو يتخبط كل يوم من ضلالة إلى ضلالة ، ويعيش بعضه في ضلالة الفردية الجانحة التي تفكك المجموع وبعضه في ضلالة الجماعية الجانحة التي تسحق كيان الفرد !
بعضه في الملكية الفردية " الحرة ! " التي لا تضبطها قيود ، فتؤدي ببضعة ألوف من الأفراد أن يستعبدوا الملايين ، وبعضه في الملكية الفردية الملغاة ، التي تحول جموع الناس عبيداً للدولة ، فيتحكم بضعة ألوف من الأفراد في حياة الملايين !
ألا إنها لسخرية عظمى . . شبوب الإنسان عن الطوق واستغناؤه عن وصاية الله !
( كَلَّا إِنَّ الْأِنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى ) (4) .
* * *
وإذا كانت الشريعة ملزمة من حيث المبدأ (5) ، فإن في داخل هذه الشريعة أحكاما ثابتة لا تقبل التغيير ، وأحكاما عامة ثابتة في ذاتها ، ولكنها تقبل أن تدخل تحتها متغيرات .
ومن بين الثوابت التي لا تقبل التغيير ولايدخل تحتها متغيرات ، أحكام العبادات كلها ، والحدود ، وعلاقات الجنسين ( بما في ذلك علاقات الأسرة : الزواج والطلاق والمواريث . . . الخ ) .
فأما أحكام العبادات فثباتها ناشئ من أن الله سبحانه وتعالى هو الذي يقرر للإنسان كيف يعبد ربه ، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد علم الناس كل ما يجب عليهم وما يجوز لهم أن يتعبدوا الله به ، ثم قال عليه الصلاة والسلام : " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو رد " (6) . فتحددت العبادات بما حدد الله وما بيّن رسوله صلى الله عليه وسلم ، ولم يعد لأحد أن يزيد فيها من عنده أو ينقص منها على هواه .
وأما الحدود فسنتكلم في المبحث التالي عن علاقتها " بالحضارة " وعلاقة الحضارة بها ، إذ أنها من منابع الشبهات عند " المثقفين " على الطريقة الغربية .
ولكنا نذكر هنا أن أوربا " المتطورة " قد وضعت قضية الجريمة والعقاب على الخط المتغير لأكثر من سبب في آن واحد .
فمن بين الأسباب أن أوربا النصرانية لم تطبق هذه الحدود أبدا بوصفها شريعة منزلة ، رغم ورود أمثالها في التوراة ، والتزامهم - نظريا - بشريعة التوراة إلا ما أحل المسيح لهم مما كان محرما عليهم :
( وَمُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ) (7) .
( وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْأِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْأِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ) (8) .
ولكن وضع النصارى المستضعف في ظل اضطهاد الإمبراطورية الرومانية لهم في القرون الثلاثة الأولى لم يمكنهم من تطبيق الشريعة الربانية فصارت " أخلاقا " تلتزم تعبداً لله من جهة المتقين ، ولكنها ليست أحاكما تنفذها الدولة . فلما قويت النصرانية بعد اعتناق قسطنطين لها ( أو تظاهره باعتناقها لأسباب سياسية ) وفرضها دينا رسميا على الإمبراطورية الرومانية عام 325 م لم يَسْعَ البابوات في أوج سلطتهم إلى فرض الشريعة الربانية على الملوك والأباطرة ، بل سعوا إلى إخضاع هؤلاء لنفوذهم الشخصي ، وبقى القانون الروماني هو المطبق على أساس مبدإ غريب على الدين - كل دين - هو مبدأ : " أدَّ ما لقيصر لقيصر وما لله لله " ! فأصبحت الألوهية شقين : شق لله في شعائر العبادة وتقوى القلوب ، وشق لقيصر في حكم الواقع الذي يعيشه الناس !
( وَقَالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ ) (9) .
(1) راجع كلمة دارون من قبل .
(2) سورة المائدة [ 44 ] .
(3) تحدثنا في المبحث الأول عن قضية ارتباط الشريعة بالعقيدة .
(4) سورة العلق [ 6 - 7 ] .
(5) تحدثنا في المبحث الثاني عن قضية الإلزام بشيء من التفصيل .
(6) أخرجه الشيخان .
(7) سورة آل عمران [ 50 ] .
(8) سورة المائدة [ 46 - 47 ] .
(9) سورة النحل [ 51 ] .