تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

( هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ ) (1) .

( وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ ) (2) .

ومن خلال حركة الإنسان في الأرض ، واحتكاكه بالكون المادي ، ومحاولة تسخير طاقاته . . تتغير الحياة جيلا بعد جيل ، وعصرا بعد عصر . فإن ألغينا من اعتبارنا هذا التغير في الصورة ، فإننا نلغي معه هدفا رئيسيا من أهداف الوجود البشري ، وتختل بين أيدينا المعايير . وكيف نصنع إذن في هذه القضية ، التي لا نستطيع فيها إهمال الثوابت ولا إهمال المتغيرات ؟

لقد كان خطأ الفكر الكنسي هو التركيز على الثابت وحده ، وإهمال المتغيرات وعدم إعطائها أي اعتبار .

وكان خطأ الفكر " التطوري " المنبثق عن الداروينية بصفة خاصة ، هو التركيز على المتغير وحده ، وإهمال القيم الثابتة وعدم إعطائها أي اعتبار . والصواب ألا نهمل هذه ولا تلك ، لأن كلا منهما له آثاره الواضحة في حياة الإنسان .

ولكن السؤال الذي يحدد القضية - وهو مفتاحها كذلك - هو : من الذي يحكم الآخر ؟ المتغير يحكم الثابت ؟ أم الثابت يحكم المتغير ؟! الجوهر يحكم الصورة ، أم الصورة تحكم الجوهر ؟

إن قلنا إن المتغير يحكم الثابت - كم يقول أصحاب الفكر التطوري - فقد ضاع منا المحور الذي تدور حوله الصورة . . ومن ثم تفقد الصورة معيارها الذي يضبط حركتها ، ثم تفقد معناها في نهاية المطاف !

أما إذا قلنا إن الثابت يحكم المتغير فلن يضيع منا شيء ، لا الثابت ولا المتغير ! إنما فقط تنضبط حركة التغير ، فلا تخرج عن مسارها الصحيح .

وهذا هو الحق الذي خلقت به السموات والأرض . . وخلق به الإنسان :

( وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ) (3) .

وهذا هو الذي نزلت به الشريعة الإسلامية لتحكم الحياة البشرية إلى آخر الزمان !

* * *

ليس المجال هنا أن نتكلم عن مزايا الشريعة الإسلامية في عمومها ، وعن شمولها للحياة من جميع أطرافها في توازن وتكامل واتساق . فلهذا مجال آخر . إنما نحن معنيون هنا بنقطة واحدة معينة هي قضية " التطور " في صور الحياة " وثبات " الشريعة . وقضية : كيف يتأتى للشريعة التي نزلت قبل أربعة عشر قرنا أن تواكب ما جدّ في حياة الناس من تغيرات .

ولا يفوتنا قبل أن نناقش القضية أن نعرض لأحد الجوانب العقدية في القضية كثيرا ما يغفله الناس في البحث وهو يستحق التنويه .

إن الذين يتساءلون هذا التساؤل هم في الحقيقة - بوعي منهم أو بغير وعي - ينكرون صفة من صفات الله على الأقل - إن لم يكونوا منكرين لأكثر من صفة في واقع الأمر - تلك هي صفة العلم . فكأنهم يتصورون أن الله لم يكن يعلم حين أنزل هذه الشريعة أن اموراً ستجدّ في حياة الناس تختلف عن الأوضاع التي كانوا عليها يوم نزلت هذه الشريعة ! كما أنهم ينفون في الواقع صفة الحكمة ، إذ يتصورون أن الله أنزل شريعة لا يمكن تطبيقها إلا في حيّز معين من الزمن ثم ألزم الناس بها إلى يوم القيامة !! والله عليم حكيم كما وصف نفسه سبحانه وتعالى ، ولكن أكثر الناس لا يعلمون .

والآن نعود إلى التعرف على الأداة التي جعل الله بها هذه الشريعة صالحة للتطبيق إلى يوم القيامة ، وجعلها تتسع لتستوعب كل ما يجدّ في حياة الناس على هذه الأرض .

نقول بادئ ذي بدء إن هناك أمورا ثابتة في حياة الناس يجب أن تظل ثابتة . وقد ثبتتها هذه الشريعة ومنعت إحداث أي تغيير فيها ، لأن أي تغيير فيها تنتج عنه اختلالات في حياة البشرية ، وقد سبق في علم الله العليم الحكيم أن الثبات هو الأمر الواجب في تلك الأمور ، فأنزل أمره المحكم بعدم التغيير .

والسبب في ثبات هذه الأمور ، وفي وجوب تثبيت الأحكام الخاصة بها ، أنها متعلقة بحقائق ثابتة لا تقبل التغيير ، وإن غُيِّرَتْ تفسد الأمور .

أول هذه الأمور هو وجوب عبادة الله وحده بلا شريك .

وبينما وضع التطوريون هذه القضية على الخط المتغير ، وزعموا - كما سبق أن أشرنا - أن البشرية مرت في ثلاثة أطوار : السحر والدين والعلم ، وأنه كما أن السحر أخلى مكانه للدين ، فكذلك الدين قد أخلى - ويجب أن يخلي - مكانه للعلم !

بينما يقول التطوريون ذلك فإن الله يقول على سبيل الإلزام الدائم :

( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) (4) ( وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً ) (5) .

( إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ) (6) .

( إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ ) (7) .

وغني عن البيان أن هذه قضية ثابتة لأنها قضية الألوهية وحقها على العباد .

والله سبحانه وتعالى دائم لا يتغير ، وكون العباد هم من خلقه حقيقة دائمة لا تتغير ، فأصبح من مقتضى ذلك أمر ثابت هو وجوب عبادة العباد لربهم وخالقهم

( أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ) (8) .

( وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ) (9) .

(1) سورة الملك [ 15 ] .

(2) سورة الجاثية [ 13 ] .

(3) سورة الجاثية [ 22 ] .

(4) سورة البقرة [ 21 ] .

(5) سورة النساء [ 36 ] .

(6) سورة النساء [ 116 ] .

(7) سورة الزمر [ 7 ] .

(8) سورة الأعراف [ 54 ] .

(9) سورة الإسراء [ 23 ] .

المفصل في شرح حديث من بدل دينه فاقتلوه · الصفحة ٧٠٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في شرح حديث من بدل دينه فاقتلوهص ٧٠٧