هل صحيح أن الإنسان ليس له كيان ثابت ولا فطرة ، إنما هو مجرد انعكاس للحياة المادية المحيطة به ، وأنه من ثم قد تغير تغيرا جذريا منذ عاش على الأرض إلى اليوم ، وأن كل طور مادي مرّ به قد شكل جوهره على صورة مختلفة تماما عما كان عليه في الطور السابق ، وأن إنسان " العصر الصناعي " هو في النهاية كائن مختلف تمام الاختلاف عن الإنسان الزراعي ، فضلا عن الإنسان الرعوي ، فضلا عن سكان الكهوف ؟
يقول " رنيه دوبو " في كتاب " إنسانية الإنسان " :
عاش رجل كرو ماغنون Cro-Magnon في أكثر أنحاء أوربا قبل حوالي ثلاثين ألف سنة ، قبل قيام الزراعة وحياة القرية بفترة طويلة . ومع أنه كان صيادا بصورة رئيسية كان - على ما يظهر - مشابها لنا جسما وعقلا ، فأدواته وأسلحته تناسب حجم أيدينا الآن ، وفنه في كهوفه يثير مشاعرنا ، والعناية التي كان يوليها لدفن موتاه تكشف أنه شاركنا بشكل ما بالاهتمام بنهاية الإنسان وآخرته ، وكل أثر مدون من آثار إنسان ما قبل التاريخ يوفر شواهد أخرى للفكرة القائلة أن الخواص الأساسية للجنس البشري لم تتغير منذ العصر الحجري " (1) .
ولننظر نحن ماذا تغير في حياة الإنسان . .
كان الإنسان يعيش في الكهوف ، فبنى الأكواخ ، ثم بنى المنازل والقصور . . وقد يبني غدا مساكن في الكواكب الأخرى أو في مركبات الفضاء !
وكان الإنسان يكتسي بأوراق الشجر والريش ، فصنع الملابس من النسيج اليدوي ، ثم صنعها من النسيج الآلي ، وتفنن في صنعها فجعل منها " مودات " ، وجعل لها تقاليد . .
وكان يأكل الطعام نيئا قبل أن يكتشف النار ، فصار يطهوه ، ثم تفنن في صنعه ، واتخذ له أدوات ، وجعل له تقاليد . .
وكانت الحياة تعتمد على الصيد ، ثم استأنس الإنسان حيوان الرعي فصارت الحياة رعوية ، ثم صارت زراعية بعد اكتشاف الزراعة ، ثم صناعية بعد اختراع الآلة ، وقد تكون غدا على نحو جديد غير كل ما تقدم .
وكان الإنسان يسير على قدميه إذا أراد الانتقال من مكان إلى مكان ، أو يضم بعض الأخشاب بعضها إلى بعض فيعبر عليها الماء ، ثم استخدم دواب الحمل والسفن الشراعية ، ثم اخترع السيارة والباخرة ، ثم ركب الطائرة والصاروخ .
وكان الإنسان فردا في أسرة ، فصار فردا في قبيلة ، فصار فردا في مجتمع يتألف من عدة قبائل ، فصار فردا في أمة ، فصار فردا في مجتمع دولي متباعد الأطراف منعزل بعضه عن بعض ، فصار فردا في مجتمع يوصف بأنه " مجتمع إنساني ! " (2) تقاربت أطرافه بفعل تقدم وسائل الاتصال فأصبح شبيها بالقرية الواحدة !
نعم . . تغيرت كل " صور " حياته . . فما الذي تغير في كيانه من الداخل ؟
هل تغير حبه للبقاء ؟ وحبه للامتداد عن طريق النسل ؟ وحبه للبناء والتعمير والإنشاء والتغيير ؟ وحبه لتصنيع الخامات وتحسين الأدوات وتجميل الحياة ؟ وحبه للبروز وإثبات الذات ؟ وحبه للتملك (3) ؟ وحبه لذاته وحبه في الوقت نفسه للاجتماع مع الآخرين ؟
هل تغيرت أطماعه ؟ هل تغيرت أمانيه ؟
باختصار : هل تغيرت " نوازعه الفطرية " ؟
وهل تغير قبل ذلك كله ، ومع ذلك كله ، أن الإنسان - في جميع أحواله وأطواره وعصوره - أحد اثنين بينهما فارق " جوهري " في التصور وفي السلوك : إما كافر وإما مؤمن . إما متبع لمنهج الله وإما متبع لمنهج الشيطان .
( هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ ) (4) .
( إِنَّ الْأِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً إِلَّا الْمُصَلِّينَ ) (5) .
هل تغير شئ حقيقي في أعماق الإنسان من الداخل حين تغيرت صور حياته على مدار التاريخ ؟
إن الفارق الجوهري في الحقيقة ليس بين الإنسان الرعوي ، والإنسان الزراعي ، والإنسان الصناعي ، والإنسان الذري ! إنما هو بين الرعوي المؤمن والرعوى الكافر ، والزرعي المؤمن والزرعي الكافر ، والصناعي المؤمن والصناعي الكافر ، والذري المؤمن والذري الكافر ! أما الفوارق الجزئية - أو الظاهرية - بين الرعوي والزراعي والصناعي ، فهي كما قلنا فوارق في الصورة وليست في داخل الكيان .
* * *
هل معنى ذلك ألا نأبه إطلاقا لتغير الصورة ما دام الجوهر لم يتغير ؟
لا أحد يقول ذلك ! فإن القول بذلك معناه إلغاء " التاريخ " . معناه إلغاء كل الجهد الذي بذله الإنسان في عمارة الأرض . معناه إلغاء دور " الخلافة " التي خلق من أجلها الإنسان ، والتي تشمل - فيما تشمل - عمارة الأرض بمقتضى المنهج الرباني :
( وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ) (6) .
( هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا ) (7) .
(1) " رينيه دوبو ، إنسانية الإنسان ، ترجمة د. نبيل صبحي الطويل ، مؤسسة الرسالة بيروت ط 1، 1979 ص71 .
(2) هذا المجتمع الذي يسمى " المجتمع الإنساني ! " هو الذي حدثت فيه أبشع أشكال القتل الجماعي ، وأبشع ألوان العدوان ، والذي يعيش بعضه في الترف المهلك وبعضه الآخر في الفقر المهلك . بعضه يلقي الأقوات في البحار والأنهار أو يحرقها لكي لا تنخفض أ سعارها في السوق العالمية ، وبعضه لا يجد لقمة الخبز التي تحفظه من الهلاك !
(3) كانت للشيوعية دعوى عريضة في أن حب التملك ليس نزعة فطرية ، إنما هو نزعة شريرة اكتسبها الإنسان في أثناء تطوره المادي بعد اكتشاف الزراعة واستمرت معه في عهود الرق والإقطاع والرأسمالية ، حتى جاءت الشيوعية فردته عنها وشفته من آثارها ! وقد تهاوت الشيوعية أخيراً وتهاوت معها دعاواها !
(4) سورة التغابن [ 2 ] .
(5) سورة المعارج [ 19 - 22 ] .
(6) سورة البقرة [ 30 ] .
(7) سورة هود [ 61 ] .