ونحن هنا لا ندخل هنا في مناقشة علمية مع الداروينية ، فذلك متروك لأهل الاختصاص (1) ، وإن كنا نحيل القارئ إلى عالم دارويني من علماء ما يسمى " الداروينية الحديثة Neo Darwinism " هو " جوليان هكسلي " الذي قال في كتابه " الإنسان في العالم الحديثً Man in the Modern World " إن الإنسان متفرد في كيانه كله ، حتى الكيان " البيولوجي " ذاته ، فضلاً عن تفرده في كيانه العقلي وكيانه النفسي الذي لا مثيل له في سائر الكائنات (2) .
ولكننا - مع عدم دخولنا في نقاش علمي مع نظرية دارون - نقول إن العلم اليوم قد تقدم كثيراً عنه في أيام دارون ، واكتشف العلماء - خاصة بعد تفجير الذرة ، ثم تفجير نواتها - أن هناك سننا ثابتة في هذا الكون رغم التغير الدائم في صوره وأشكاله ، وهذا ما لم يكن واضحاً تمام الوضوح عند دارون ، فصحيح أنه اكتشف سنة التطور ، ولكنه لم يكتشف السنن الثابتة التي يتم في نطاقها التطور ، بل قال - عن جهالة - إن " الطبيعة " تخبط خبط عشواء !
لقد اكتشف العلماء أن هناك نسقاً ثابتاً في بناء الكون كله ، هو المتمثل في تركيب الذرة من نواة موجبة وكهارب سالبة تدور حولها بسرعة معينة . وأن الفرق بين عنصر وعنصر ليس فرقاً في هذا النسق الثابت ، إنما هو في عدد الوحدات التي تتكون منها ذرة كل عنصر ؛ وأن هناك تحولات كثيرة تمت في الكون خلال ملايين السنين ، ولكنها لم تغير هذا النسق الثابت ، ولم تغير كذلك الطريقة التي يتم بها التحول من حالة إلى حالة ومن صورة من صور المادة إلى صورة مغايرة . . وان وراء ذلك كله قوة مدبرة تحكم النسق الثابت وتحكم طريقة التغيير (3) !
كما اكتشف علماء الحياة من أسرار الخلية الحية ما أقنعهم كذلك بثبات السنن التي تحكم عمليات التحول في بناء الخلية ، وأن التحول لا يتم خبط عشواء ! (4)
تلك إذن هي الصورة الصحيحة التي اهتدى إليها العلم ، سنن ثابتة وصور متغيرة ، أو قل : صور متغيرة تدور حول محاور ثابتة .
ولو اهتدى دارون إلى تلك الحقيقة لحسم القضية ، ولما ترك لليهود الفرصة يعيثون بالداروينية فساداً في الأرض (5) !
ولكن الذي حدث بالفعل أن الفكر الدارويني ظل ينمو ويتسع نطاقه حتى غشّى مجالات البحث كلها ، بما فيها دراسة التاريخ ، وعلم الاجتماع ، وقيل في التفسير الجدلي للتاريخ (6) ، كما قيل في علم الاجتماع : إنه لا ثبات لشيء على الإطلاق في حياة الإنسان ، وقال دور كايم (7) : " كان المظنون أن الدين والزواج والأسرة هي أشياء من الفطرة (8) ، ولكن دراسة التاريخ تطلعنا على أن هذا الأمر ليس حقيقة ! " (9) وقيل من بين ما قيل : إن البشرية قد مرت في ثلاثة أطوار : طور السحر ثم طور الدين ، ثم طور العلم ! وإنه كما أخلى السحر مكانه للدين ، فقد أخلى الدين مكانه للعلم !
* * *
ونترك أوربا ، وما حدث فيها من اختلالات فكرية ، ابتداء من الدين الكنسي المحرف إلى التمرد على الدين واتخاذ " العلمانية " منهجا للتفكير ومنهجا للحياة ، وتفشي لوثة التطور ولوثة الإلحاد ، والنظر إلى كل " ثابت " على أنه رجعية وتأخر ، وإلى كل " متطور " على أنه تقدم ورفعة ورقى . .
نترك هذا كله وننتقل إلى العالم الإسلامي .
إن الفكر الإسلامي ، المهتدي بكتاب الله ، المستنير بنور النبوة ، لم يتعرض لتلك الاختلالات التي تعرض لها الفكر الأوربي . وفي قضيتنا بالذات ، التي نتناولها هنا بالبحث ، لم يعتقد المفكرون المسلمون أن كل شيء على الإطلاق ثابت ، ولا أن كل شيء على الإطلاق متغير . إنما اعتقدوا دائما أن هناك ثوابت وهناك متغيرات ، وخاصة في حياة الإنسان .
وما قضية الاجتهاد في الشريعة إلا تجسيد واقعي لهذا الاعتقاد .
فأمور الحياة على الدوام تتغير ، ويجتهد العلماء فيما لم يرد فيه نص ، ولكن اجتهادهم مقيد دائما بضوابط ثابتة ، وهي ما يطلقون عليه " مقاصد الشريعة " .
وقبل أن نتعرض لقضية الشريعة ، وقضية الاجتهاد ، نسأل : ما الثابت وما المتغير في الكيان الإنساني وفي الحياة البشرية ؟
(1) سبق أن اشرنا إلى أن الفروض الدارونية ليست مسلمة عند العلماء ، وأن هناك علماء يرفضونها تماما ، وآخرون يرونها على صورة اخرى غير ما تصورها دارون ، انظر على سبيل المثال : " موريس بوكاي ، أصل الإنسان " ترجمة مكتب التربية الخليجي .
(2) راجع : جوليان هكسلي ، الإنسان في العالم الحديث ، ترجمة حسن خطاب ومراجعة الكتور عبد الحليم منتصر ، فصل " تفرد الإنسان " إصدار مشروع الألف كتاب ، وزارة التعليم العالي ، القاهرة ، 1956 .
(3) انظر العالم الأمريكي هوكنج Hoking في كتاب صلى الله عليه وسلم Brief History of Time ، طبع الولايات المتحدة ، الناشر بانتام Bantam أبريل 1988 .
(4) انظر موريس بوكاي ، أصل الإنسان ( سبقت الإشارة إليه ) .
(5) جاء في البروتوكول الرابع من " بروتوكولات حكماء صهيون " : نحن رتبنا نجاح دارون ونيتشة ، وإن أثر فكرهما في عقائد الأمميين واضح لنا بكل تأكيد " .
(6) المعروف باسم " التفسير المادي للتاريخ " .
(7) إميل دور كليم : عالم اجتماع يهودي -1858 / 1917 م - ومن اكبر المؤثرين في الدراسات المعاصرة في علم الاجتماع ، وينقل عنه - مع الأسف - " علماء " الاجتماع عندنا بلا تحفظ .
(8) أي أ شياء لها صفة الثبات .
(9) انظر دور كايم ، مقدمة في علم الاجتماع ، ترجمة الدكتور محمود قاسم ، إصدار إدارة الترجمة بوزارة التعليم العالي ، القاهرة ط 2 ، ص 173 . وجاء في هذا الكتاب أيضاً ( ص 59 : 60 ) إن النظر إلى القيم الأخلاقية على أنها قيم ثابتة هو نظرة غير علمية على الإطلاق .