تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فاعتقاد الثبات في قضية الألوهية اعتقاد حق - بصرف النظر عن انحراف الكنيسة في قضية التثليث ، وقضية تأليه عيسى ، وادعاء بنوته لله - فالله سبحانه وتعالى دائم ، حيّ قيوم ، أزلي أبدي لا تتغير ذاته ولا تتغير أسماؤه ولا صفاته . واعتقاد الثبات في قضية الخلق اعتقاد حق ، بمعنى أن الله هو الخالق ، وأن كل شيء من خلقه ، وأنه هو المهيمن على الخلق ، المدبر لملكوت كل شيء . كذلك الاعتقاد بثبات وضع الإنسان في الأرض ، بمعنى أن الله هو الذي خلقه ، وأهبطه إلى الأرض ليقضي فيها أجلاً مسمى ومهمة معينة ، ثم يموت ليبعث ويحاسب على ما قام به من عمل في الحياة الدنيا ثم يخلد في الملكوت ( أي الجنة ) أو يخلد في العذاب .

أما اعتقاد الثبات في الأجرام السماوية ، وفي الموجودات على الأرض ، وفي النظم والأشكال والأنماط ، سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية . . فلم يكن تصور الكنيسة فيه صابئاً ولا واعياً ، وكان أكثره يصدر عن جهل مطبق بالسنن الربانية ذاتها ، فضلاً عن العلوم الكونية التي كان نصيب أوربا منها في العصور الوسطى أضأل نصيب .

وأياً كان الأمر فقد ظل هذا الفكر سائداً - بخطئه وصوابه - طيلة العصور الوسطى حتى بدأت النهضة الأوربية بتأثير احتكاك أوربا بالمسلمين ، سواء الاحتكاك السلمي بانتقال علوم المسلمين وثقافتهم وحضارتهم من الأندلس إلى أوربا عن طريق ابتعاث أبناءها إلى هناك لطلب العلم ، ثم قيامهم بترجمة الكتب العربية إلى اللاتينية والإغريقية ، أو الاحتكاك الحربي في الحروب الصليبية التي قادتها أوربا ضد المسلمين في الشرق .

وقد حدث - نتيجة ظروف كثيرة متشابكة لا مجال لتفصيلها هنا (1) - أن أخذت أوربا علوم المسلمين وحضارتهم دون أن تأخذ الإسلام ، الذي انبثقت منه في حياة المسلمين تلك العلوم وتلك الحضارة ؛ فنشأت عندها حضارة معادية للدين ، أو في القليل مبتعدة عنه ، ترفض أن ترجع في شئ من أمور الحياة إلى الوحي الرباني ، وتفضل أن ترجع إلى فكر " الإنسان " وإلى المعرفة البشرية (2) .

وحين قام دارون ينادي بنظرية التطور لم يكن الفكر الأوربي قد تهيأ بعد لقبولها بكل تفصيلاتها وكل إيحاءاتها ، خاصة وهي تنزع عن " الإنسان " كرامته الإنسانية ، وترده إلى أصل حيواني بحت ، وتنزع عنه تفرده الذي يعتز به ، وترده مجرد واحد من الكائنات التي وجدت على الأرض صدفة ؛ وهو متطور نعم ! ولكنه مع ذلك حيوان ! أو كما سماه أحد الداروينيين " القرد الأملس " " The Hairless Ape " أي الذي لا يكسو جسده الشعر !

ولكن أوربا مع ذلك تقبلت الداروينية على تردد في مبدأ الأمر، ثم خف التردد تدريجياً، حتى انقلب في نهاية الأمر إلى حماسة جياشة لا تبقي مجالاً لثبات أي شيء على الإطلاق . . لا الدين ولا الأخلاق ولا التقاليد ولا القيم ولا الأفكار ؛ كما كانت قد أقتنعت من قبل أنه لا ثبات لشيء في الكون المادي . . لا الأجرام السماوية ولا الأفلاك ، ولا الكائنات الأرضية من نبات أو حيوان . . أو إنسان !!

وكان وراء ذلك التحول الذي تم خلال عقود قليلة من الزمن عدة أمور . . .

فالثورة الفرنسية كانت قد هزت أوضاعاً ثبتت من قبل في أوربا وغيرها من بلاد العالم عدة ألوف من السنين .

والثورة الصناعية كانت قد هزت أوضاعاً أخرى ، ثبتت هي الأخرى من قبل عدة ألوف من السنين ، منذ تعلم الناس الزراعة وعاشوا عليها ، فإذا الزراعة تصبح شيئاً هامشياً في حياة الناس ، ويتجه الاهتمام إلى الإنتاج الصناعي المتزايد ، وإذا المرأة التي ظلت دهوراً طويلة من حياة البشرية قابعة في بيتها ، عاكفة على شئون زوجها وأبنائها ، تخرج إلى العمل في المصانع ، وتنتج من جراء ذلك " قضية " تشغل البشرية قرناً كاملاً من الزمان (3) .

ووراء ذلك كله كان اليهود المتربصون للإفساد ، ينتهزون الفرصة السانحة ، فيعيثون فساداً في الأرض ، مستغلين الداروينية وإيحاءاتها في تدمير كل القيم الثابتة في حياة الإنسان ! ومستغلين النفور من الكنيسة وطغيانها لتدمير كل ما يتعلق بالدين ! (4)

* * *

(1) انظر : " مذاهب فكرية معاصرة " فصل " العلمانية " وكذلك : " العلمانية " لسفر عبد الرحمن الحوالي .

(2) هذا هو منشأ " العلوم الإنسانية " في أوربا ، أي العلوم التي يرجع فيها إلى العلم البشري لا إلى الوحي الرباني ! وهكذا ولدت تلك العلوم معادية للدين من أول لحظة ! .

(3) راجع إن شئت في نشاة " قضية المرأة " في أوربا ، وما أحدثته من آثار في المجتمع الأوربي " دور اليهود في إفساد أوربا " من كتاب " مذاهب فكرية معاصرة " .

(4) راجع كذلك " مذاهب فكرية معاصرة " التمهيد الأول : " دور الكنيسة " والتمهيد الثاني : " دور اليهود في إفساد اوربا " .

المفصل في شرح حديث من بدل دينه فاقتلوه · الصفحة ٧٠٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في شرح حديث من بدل دينه فاقتلوهص ٧٠٤