تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

على أن الأمر في الواقع لم يتم من جراء التأثير للفكر الدارويني ، وهو في ذاته كاف عند من يؤمن به لأن يحدث في نفسه تغييراً شاملاً ، وإنما كان اليهود - المتربصون أبداً للإفساد (1) - كأنهم في انتظار هذه القذيفة المدمرة ، فسعوا بها في كل مجال ، ينشئون على أساسها نظريات " علمية " في الاقتصاد وعلم النفس وعلم الاجتماع وغيرها من المجالات ، كلها مُعادٍ للفكر الديني والقيم الدينية (2) ، كما ينشئون - بفضل سيطرتهم على الثورة الصناعية (3) - مجتمعاً بلا دين ولا أخلاق ولا تقاليد ، تنفيذاً لمخططهم في استعباد البشر - بعد إفسادهم - ليكونوا خدماً لشعب الله المختار (4) .

ولقد تمت لليهود السيطرة - بقدر من الله - استثناءً من حالتهم الدائمة التي توعدهم الله بها :

( وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ ) (5) .

وهذا الاستثناء ذاته وارد في كتاب الله لحكمه يريدها الله : ( ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ ) (6) .

ولعله عقاب للبشرية على كفرها ، وتبجحها بالكفر :

( قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ) (7) .

وعقاب للأمة المسلمة بالذات من أجل تفريطها في رسالتها لنفسها ورسالتها للبشرية :

( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً ) (8) .

وليس هنا على أي حال مجال الحديث عن دور اليهود في نشر الداروينية وجعلها منبعاً لإفساد العقائد والأفكار والسلوك ، إنما نريد فقط أن نركز الحديث عن فكرة التطور وتأثيرها في إثارة شبهة عدم إمكان تطبيق الشريعة الإسلامية عند المنخدعين بالغزو الفكري من المسلمين (9) .

كان من بين الأسباب التي أدت إلى الهزة العنيفة التي أحدثتها فكرة التطور في الحياة الأوربية أن الفكر الكنسي السائد في أوربا في العصور الوسطى (10) كان يتصور الثبات المطلق في كل شيء ، وينادي بالثبات الدائم في كل شيء ، فجاءت فكرة التطور مصادمة تماماً لذلك الفكر ، بحيث بدا ألاّ سبيل للقاء بينهما ، وأنه لا مناص من أن يترك أحدهما مكانه للآخر بكامله ، فإما الثبات الكامل في كل شيء ، وإما التطور الكامل في كل شيء ، ولا طريق ثالث ! ولما كان النفوذ الكنسي - الذي يتبنى فكرة الثبات - كان قد أخذ ينهار رويداً رويداً منذ القرن السادس عشر الميلادي ، منذ قامت " النهضة " على أسس معادية للدين أو معارضة له ، وكان النفوذ العلمي والعلماني - الذي تبنى فكرة التطور - قد أخذ يتزايد في الحياة الأوربية باستمرار ، فقد كان الظاهر من مجرى الحوادث أن فكرة الثبات المطلق في كل شيء هي التي عليها أن تغادر الساحة - مهزومة - لتخلي مكانها لفكرة التطور المطلق في كل شيء ، سواء كان مما يقبل التطور فعلاً أو كان غير قابل للتغيير !

ولا شك أن الفكر الكنسي لم يكن خاطئاً كله ، وإن لم يكن على صواب في كثير من الأمور .

(1) يصفهم الله تعالى بقوله : ( وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ) [ سورة المائدة: 64 ] فيجعل السعي للإفساد صفة دائمة فيهم ، وديدنا لهم .

(2) كنظرية ماركس في الاقتصاد ، ونظرية فرويد في علم النفس ، ونظرية دور كايم في علم الاجتماع ، ومذهب " العبثية " عند سارتر وغير أولئك من اليهود كثير .

(3) سيطر اليهود على الثورة الصناعية منذ نشأتها عن طريق الإقراض بالربا، مما مكنهم من جمع الثروات الطائلة ، وجمع الذهب والتحكم به في عملات الدول ، كما مكنهم من السيطرة على وسائل الإعلام العالمية ، فاستطاعوا عن طريق ذلك كله التحكم في سياسة المعسكرين معاً : الشرقي والغربي ، والتحكم في الاقتصاد العالمي ، والتحكم في أفكار الناس وسلوكهم وأخلاقهم ، وبث المذاهب الفكرية الهدامة ، وبث ألوان من " الجنون " مختلفة ، كجنون الجنس ، وجنون الكرة ، وجنون " المودة " ، وجنون الزينة ، وجنون السينما والإذاعة والتلفزيون والفيديو . . الخ .

(4) يقول التلمود - وله عند اليهود قداسة تفوق قداسة التوراة - : إن الأممين هم الحمير الذي خلقهم الله ليركبهم شعب الله المختار . وقد تعلم اليهود أن السبيل الوحيد لاستحمار الإنسان هو إفساد عقيدته وأخلاقه فيصبح البشر ( كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ ) كما وصفهم الله في كتابه العزيز [ سورة المدثر : 50 - 51 ] ومن ثم يسهل على الشيطان وأوليائه أن يوجهوهم حيث شاءوا .

(5) سورة الأعراف [ 167 ] .

(6) سورة آل عمران [ 112 ] .

(7) سورة الأنعام [ 65 ] .

(8) سورة البقرة [ 143 ] .

(9) انظر - إن شئت - في بيان دور اليهود في إفساد أوربا ، ومسؤولية الأمة المسلمة في ذلك الشان ، ومحدودية المدى الذي تستمر فيه الفترة الاستثنائية لسيطرة اليهود : " مذاهب فكرية معاصرة " ، فصل " دور اليهود في إفساد أوربا " .

(10) تسمي أوربا عصورها الوسطى " العصور الوسطى المظلمة " وهي على حق كامل في هذا الوصف ، ولكنها كانت مظلمة في أوربا وحدها ، بينما كانت الفترة ذاتها من أزهى عصور العلم والعرفان واليقين في العالم الإسلامي . وتنسب أوربا ظلام عصورها الوسطى إلى " الدين " وهي صادقة في هذا بالنسبة لدينها المحرف لا بالنسبة للدين في ذاته كما يرى المخدوعون بالغزو الفكري ، فقد كان " الدين " هو مصدر النور بالنسبة للمسلمين في ذات الفترة .

المفصل في شرح حديث من بدل دينه فاقتلوه · الصفحة ٧٠٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في شرح حديث من بدل دينه فاقتلوهص ٧٠٣