تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يوجد في الغرب منذ بدايات هذا القرن (1) ما يمكن أن نطلق عليه " لوثة التطور " . فقد أحدثت نظرية التطور التي نادى بها دارون (2) هزة عنيفة في الحياة الأوربية في جميع مجالاتها ، ولم يقتصر الأثر على مجال علم الحياة بالذات ، الذي كان دارون يحصر بحثه في نطاقه . ذلك أن النظرية (3) - وإن حصرت مجال بحثها في نطاق علم الحياة - قد تعدت هذا النطاق بإيحاءاتها الخطيرة التي شملت مجالاً واسعاً من الفكر والاعتقاد ، كما أن هناك من استغل هذه الإيحاءات استغلالاً مقصوداً لتدمير بعض المفاهيم السائدة ، وإحلال مفاهيم أخرى بدلاً منها ، تخدم أغراض فريق معين من الناس ، وبذلك امتدت إيحاءات النظرية وتأثيراتها إلى مجال العقيدة ، وكذلك مجال السياسة والاقتصاد والاجتماع والأخلاق والفن والفكر . . وكلها من مجالات التشريع .

كان مما قررته تلك النظرية - أو بالأحرى ذلك الفرض العلمي - أن " الخلق " يتم بطريقة ذاتية ، ولا دخل فيه للإرادة الإلهية (4) . وأن الطبيعة هي الخالق (5) ، وأن الطبيعة لا قصد لها من الخلق ولا غاية (6) . وأن التطور يرجع إلى ضغط الظروف المادية المحيطة بالكائن الحيّ ولا دخل للكائن الحيّ فيه ولا إرادة له تجاهه (7) .

وتلك كلها - كما ترى - أمور أوسع من دائرة علم الحياة ، وإن كان دارون نفسه لم يستخدمها إلا في نطاق ذلك العلم . فإن افتراض الخلق الذاتي (8) ، وافتراض أن الطبيعة لها القدرة على الخلق ، وأنها تخبط خبط عشواء بلا حكمة ولا تدبير ولا قصد ، هذه كلها أمور تمس العقيدة ، وتعارضها معارضة أساسية ، وفضلاً عن ذلك فإنها لا بد أن تؤثر في وجدان الإنسان الذي يؤمن بها ، فتغير مفاهيمه وقيم حياته ، كما تغير أحواله السلوكية . فثمت فرق واضح بين إنسان يؤمن بأن الله هو الذي خلقه ، وخلقه لهدف معين ، ورسم له منهجاً معيناً يعينه على تحقيق ذلك الهدف ، وسيسأله في النهاية عن مدى تحقيقه لما أمره به ، وإنسان يؤمن بأن الطبيعة هي التي خلقته ، وخلقته صدفة بلا قصد ، ولم ترسم له منهج حياة معين ، ولا هي ستسأله عن تحقيق شيء بعينه !!

( وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ ) (9) .

( أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ ) (10) .

( قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ) (11) .

كما أن افتراض أن التطور - على فرض ثبوته ثبوتاً قاطعاً (12) - يتم فقط بضغط الظروف المادية المحيطة بالكائن الحيّ ، وليس لله دخل فيه ، كما أن الكائن الحيّ - بما في ذلك الإنسان - ليس له دخل فيه ، ولا إرادة له تجاهه ، يحدث تصوراً معيناً عند من يؤمن به ، يجعل الإله في حسه هو " المادة " ، ويجعل الإنسان عبدا لها ، محكوماً بقوانينها ، لا يملك الفكاك من أسرها ، ويجعل القيم المعنوية لا وزن لها في حياته ، لأنها - إن آمن بها - لا تزيد في حسه على أن تكون انعكاساً للأوضاع المادية ، ونتاجاً لها ، مباشراً أو غير مباشر .

وذلك - في الحقيقة - هو عين الأثر الذي تركته الداروينية في الفكر الغربي ، على وعي من الناس أو غير وعي !

(1) القرن العشرين الميلادي .

(2) هو العالم البريطاني تشارلس دارون الذي كان متخصصاً في علم الحياة ، ونادى بنظرية التطور Evolution التي قال فيها إن الكائنات الحية ظلت تتطور من الكائن الوحيد الخلية - أول الكائنات الحية على ظهر الأرض - إلى الإنسان مروراً بحلقات متعددة منها اللافقاريات فالأسماك ، فالبرمائيات ، فالطيور ، فالثدييات الدنيا ، فالثدييات العليا ، فالقردة ، فالقردة العليا فالإنسان ( على افتراض وجود حلقة مفقودة هي الإنسان القرد ) .

(3) هي في الحقيقة فرض علمي لم يرتق إلى مرتبة النظرية كما سيجيء .

(4) يقول دارون : " إن تفسير النشوء والارتقاء ( التطور ) بتدخل الإرادة الإلهية يكون بمثابة إدخال عنصر خارق للطبيعة في وضع ميكانيكي بحت :

This would be to introduce a supernatural element in a completely mechanical position .

(5) يقول دارون : " إن الطبيعة تخلق كل شيء ولا حد لقدرتها على الخلق

" Nature creates everything and there is no limit to its creativity " .

(6) يقول : " إن الطبيعة تخبط خبط عشواء Nature works haphazardly " .

(7) انظر في ذلك كله كتابه " التطور Evolution " وكتابه " أصل الأنواع Origin of Species " في أماكن متعددة منهما .

(8) يلاحظ أن دارون أطلق الفرض - غير العلمي - ولم يُقِمْ أي دليل عليه ، وكذلك القول بالطبيعة الخالقة ، والطبيعة التي تخبط خبط عشواء .. وهذه الفروض كلها جزء أساسي من " النظرية " ! ومع ذلك فقد انتشرت في المجال العلمي كأنها حقائق ثابتة ! ويلاحظ من الجانب الآخر أن هناك نظريات علمية جديدة ترفض الفرض الدارويني من أساسه .

(9) سورة ص [ 27 - 28 ] .

(10) سورة المؤمنون [ 115 ] .

(11) سورة الزمر [ 9 ] .

(12) ليس كل العلماء يسلمون بالتطور ، وليس كل الذين يسلمون به يوافقون على أنه تم على ذات النسق الذي افترضه دارون .

المفصل في شرح حديث من بدل دينه فاقتلوه · الصفحة ٧٠٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في شرح حديث من بدل دينه فاقتلوهص ٧٠٢