تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن الذين يتلمسون الحجج والمعاذير ليتهربوا من تطبيق شريعة الله يقولون : الديمقراطية ! الديمقراطية ! أو يقولون : الاشتراكية ! الاشتراكية ! فكم من ألوف الملايين سرقت من دماء الشعوب " الإسلامية ! " تحت ظل الديمقراطية المزيفة وتحت ظل الاشتراكية ؟!

وكيف اكتنزت طبقات لا أصول لها ، وجاعت الملايين ؟ وكيف صارت أقوات الشعب وضروراته تباع في السوق السوداء ، وصارت القروض تأتي من كل مكان فلا تنفق في مواضعها ، ولا يستفيد منها الصالح العام إلا القليل بينما تتحمل الملايين من أقواتها الضرورية فوائد القروض ؟!

كلا ! إننا إذ نادينا بتعطيل الشريعة الإسلامية من أجل حماية الملايين ، فتلك حجة داحضة ، ولن يحمي حقوق الملايين شئ حماية الشريعة الإسلامية لها ، بشرط أن تقوم الأمة بتبعاتها ، فتراقب حكامها ، وتأطرهم على الحق أطرا كما وجهها رسولها الكريم صلى الله عليه وسلم . . لأن ذلك من مقتضيات لا إله إلا الله :

( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ) (1) .

" كلا والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد الظالم ، ولتقصرنهم على الحق قصرا ، أو ليضربن الله قلوب بعضكم ببعض " (2) .

* * *

إذا علمنا يقينا أنه ليس " لولي الأمر " أن يتصرف بإلغاء الشريعة ، أو تعطيلها ، أو تأجيلها ، وليس للأمة أن تطيعه إن فعل ذلك أو تقره عليه . . فبقى أن نعرف حدود ولي الأمر في التصرف .

إنما يجوز له - بل يجب عليه - أن يتصرف في المصالح المرسلة ، التي لم يرد فيها نص ، بما يحقق مصلحة الأمة ، بحيث لا يخالف مقاصد الشريعة ، ولا يحل حراما ولا يحرم حلالا . كما يجوز له أن يتصرف في الأمور المتغيرة ، التي تتغير بتغير الأحوال (3) ، والتي نزلت فيها الأصول العامة التي تضبط حركة الأمة خلال حركتها التاريخية ، وترك للاجتهاد استنباط الأحكام المناسبة لكل عصر ، بنفس الشروط السابقة وهي عدم الخروج على مقاصد الشريعة ، وعدم تحليل الحرام ولا تحريم الحلال . أما الأمور الثابتة ، ومن بينها الحدود ، وعلاقات الجنسين ، وعلاقات الأسرة . . الخ ، فليس لأحد أن ينقلها من الخط الثابت إلى الخط المتغير بأي عذر من المعاذير !

====================

المبحَث الثالِث -شُبْهَةُ التطوّرْ وَعَدَمُ مُلاَءَمة الشَّريعة للأَحوالِ المُستَجدّة في حَياةِ النَّاسِ

هل تصلح الشريعة التي نزلت قبل أربعة عشر قرناً أن تحكم الواقع المعاصر ، وقد جدّ في حياة الناس بعد الثورة الصناعية وتقدم العلم وتشابك العلاقات البشرية وتعقدها ما لم يكن قائما وقت نزول هذه الشريعة ؟

وإذا كان تطبيق الشريعة قد ظل ممكناً طيلة القرون العشرة التي تلت نزولها بسبب بطء التغيرات التي جدت في حياة الناس ، وانحصارها في أمور ليست بعيدة الشبه بالأحوال التي نزلت فيها الشريعة ، فهل تظل على الدرجة ذاتها من إمكان التطبيق بعد أن كادت تندثر الأحوال الأولى ، وجدت بعدها أحوال تكاد تكون مبثوثة الصلة بما كان من قبل ؟!

كذلك يفكر بعض الناس . . ولعل هذه هي أهم القضايا التي تثور في ذهن " المثقف " الغربي تجاه تطبيق الشريعة ، وخاصة إذا كان من المغرقين في الأخذ بالتفسير المادي للتاريخ ، الذي يتبناه التفكير الماركسي ، وإن الغرب " الليبرالي " يشارك فيه بقدر ليس بالقليل (4) .

ونريد هنا أن نناقش الأمر من طرفيه معاً : قضية " التطور " الذي يغير الحياة على الدوام ، وقضية ثبات الشريعة كما نزلت قبل أربعة عشر قرناً من الزمان .

هذا التطور ، ما حقيقته ؟ هل هو شامل لكل كيان الإنسان وكل أمور حياته ؟ أم إن في النفس الإنسانية وفي واقع الحياة البشرية أموراً ثابتة وأخرى متغيرة ؟ وما الثابت وما المتغير على وجه التحديد ؟ وهل العبرة في النهاية بالأمور الثابتة أم بالأمور المتغيرة ؟ أم بهما معاً ؟ وعلى أي نحو يتم التوفيق بين الثابت والمتغير ؟

وهذه الشريعة ، كيف تتعامل مع الثابت والمتغير في حياة الناس ؟ وهل هي حقاً " جامدة " بحيث لا تتسع لما يجدّ في حياة الناس ، أم إن فيها من المرونة ما يجعلها تستوعب الجديد ؟ وما الضوابط التي تحكم عملية التوفيق بين الثابت والمتغير في أمور الحياة ؟

* * *

(1) سورة آل عمران [ 110 ] .

(2) رواه أبو داود .

(3) راجع المبحث الثالث .

(4) في الحقيقة لا يوجد فارق جذري بين التفكير " الليبرالي " الذي يتبناه الغرب الرأ سمالي ، والتفكير الجدلي المادي الذي يتبناه العالم الشيوعي تجاه قضية التطور بالذات ، إنما هو فارق في الدرجة لا في النوع.

المفصل في شرح حديث من بدل دينه فاقتلوه · الصفحة ٧٠١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في شرح حديث من بدل دينه فاقتلوهص ٧٠١