يقول تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ) (1) .
وظاهر من البناء اللغوي للآية أن الطاعة لله مطلقة ، كذلك الطاعة للرسول صلى الله عليه وسلم ، ولكن ليست كذلك الطاعة لأولي الأمر . . ولو قال تعالى : أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأطيعوا أولي الأمر منكم لوجبت طاعتهم مطلقا كطاعة الله وطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم . ولكن الله جل شأنه لم يقل ذلك ، وإنما عطف طاعة أولي الأمر على طاعة الله والرسول بدون تكرار الأمر " أطيعوا " ، لتظل طاعتهم مقرونة دائما بحدود ما أنزل الله . ويؤكد ذلك عَجُزُ الآية الذي يبين المرجع في حالة التنازع وهو الله والرسول فحسب .
وهكذا فهم الخليفة الأول رضي الله عنه حين قال للأمة : أطيعوني ما أطعت الله فيكم ، فإن عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم .
فإذا كانت هذه هي حدود الأمر في الإسلام ، فكيف يتصور أحد أن يكون لولي الأمر حق مخالفة الله ورسوله والله يقول :
( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ) (2) .
ثم كيف يتصور أحد حين يخرج ولي الأمر عن طاعة الله ورسوله بإبطال شريعة الله ، يكون له حق السمع والطاعة على رعيته ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقرر أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ؟
" لا طاعة في معصية " (3) .
" إنما الطاعة في المعروف " (4) .
* * *
كلا ! ليس لولي الأمر أن يتصرف في الشريعة بالإبطال أو التعديل أو الاستبدال ، لأن هذا الحق ليس لأحد على الإطلاق ، لا الحاكم ولا المحكوم .
ولا يوجد سبب واحد في الأرض يبرر لولي الأمر أن يفعل ذلك . لا الله أذن له ، ولا السوابق التي يتصيدونها من تصرفات عمر رضي الله عنه تؤيدهم فيما يذهبون إليه .
ومحك الإيمان ، الذي بينه الله في كتابه المنزل هو التحاكم إلى شرع الله أو الإعراض عنه :
( وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) (5) .
فهؤلاء يقولون لا إله إلا الله محمد رسول الله ( وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ ) ثم يزيدون على ذلك فيزعمون أنهم مطيعون لله ورسوله والله يقول عنهم ( وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ ) فينفي عنهم ما زعموه من دعوى الإيمان ، ويبين أن السبب في نفي الإيمان عنهم أنهم إذا دعوا إلى شريعة الله أعرضوا عنها ، إلا حين يكون لهم مصلحة ذاتية في تطبيقها ! ويبين تعالى موقف المؤمنين الحقيقيين إذا دعوا إلى شريعة الله فإنهم على الفور يقولون سمعنا وأطعنا ، بصرف النظر عما يصيب ذواتهم من تطبيقها ، إنما هي الطاعة المطلقة لله ورسوله ، هي صفة المؤمنين ، وهي سبيل الفلاح في الدنيا والآخرة .
* * *
والذين يتصيدون الحجج والمعاذير يقولون : كيف نقيم حد السرقة والناس جياع ؟ أليس علينا أن نسد جوعتهم أولا ؟ فلنصلح أحوالنا الاقتصادية أولا ثم نشرع بعد ذلك في تطبيق الشريعة !
وهي مجرد مراوغة لا تنطلي على أحد .
فلنطبق الشريعة الآن في هذه اللحظة ، ولا خوف من وقوع الظلم على أحد في ظل شريعة الله !
إننا حين نطبق الشريعة الآن في هذه اللحظة فلن نطبق حد السرقة على الجائع الذي يسرق ليأكل ، لأن شبهة الجوع الملجئ إلى السرقة تدرأ عنه الحد . . فلا نحتاج إذن إلى تعطيل تطبيق أحكام الشريعة حتى نصلح الأحوال الاقتصادية ، لأنه لا تطبيق الشريعة سيعطل إصلاح الأحوال الاقتصادية ( بل العكس هو الصحيح ) ولا سيقع الظلم على أحد من تطبيق الشريعة لأن الله لا يظلم أحدا كما أخبر سبحانه عن نفسه في كتابه المنزل ، وكما روى عنه رسوله صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي : " يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعتله بينكم محرما فلا تظالموا " (6) .
ويقول آخرون : كيف نقطع يد السارق الذي سرق ليأكل ، ونترك سارق الملايين ؟! لا يجوز تطبيق الشريعة في هذه الأحوال الراهنة !!
كأنما تطبيق الشريعة سيؤدي إلى هذا أو ذاك !!
فأما السارق الذي سرق ليأكل فلن يقام عليه الحد كما بينا ، لأن شريعة الله تقضي بعدم إقامة الحد عليه . وأما سارق الملايين فأي نص في شريعة الله يحميه ؟!
وأما إذا تقاعست الأمة عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وخافت سطوة ذوي السطوة ، فأصبح الحال كما وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم حال الهالكين : إذا سرق فيهم الشريف تركوه ، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد ، فهي من جهة تحمل وزر نفسها في الدنيا وفي الآخرة ، ومن جهة أخرى فلن يوجد نظام يحميها من سطوة ذوي السطوة ، فتلجأ إليه بعيدا عن شريعة الله !
(1) سورة النساء [ 59 ] .
(2) سورة الأحزاب [ 36 ] .
(3) أخرجه الشيخان .
(4) أخرجه الشيخان .
(5) سورة النور [ 47 - 51 ] .
(6) أخرجه مسلم .