تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فعمر رضي الله عنه لم يكن حاكما عسكريا يتصرف في الأمور بما تمليه عليه أهواؤه ، ولم يكن جباراً في الأرض كالفراعين ، يقول : ( مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ ) (1) .

والصحابة رضوان الله عليهم من جانب آخر لم يكونوا ليسكتوا على تغيير شرع الله أو إبطاله مهما يكن الشخص الذي قام بهذا التصرف ، عمر أو غير عمر . . ولنذكر جيداً أن عمر رضي الله عنه - برغم كل المهابة التي أضافها الله عليه ، وجعل من مظاهرها الجسم الطويل القوي والصوت الجهوري - قام يوما على المنبر فخطب الناس فقال : أيها الناس اسمعوا وأطيعوا ! فقال له سلمان الفارسي رضي الله عنه : لا سمع لك اليوم علينا ولا طاعة ! فقال عمر رضي الله عنه : ولمه ؟ قال : حتى تبين لنا من أين لك هذا البرد الذي ائتزرت به ، وأنت رجل طوال لا يكفيك برد واحد كما نال بقية المسلمين ! فلما بين له عمر رضي الله عنه أن البرد الذي ائتزر به هو برد ابنه عبد الله ، قال سلمان : الآن مُر ! نسمع ونطع ! .

ومن ثم فلا عمر رضي الله عنه يتصور منه مخالفة شرع الله ، ولا الصحابة رضوان الله عليهم يتصور منهم االسكوت على المخالفة ولو كانت من أمير المؤمنين عمر بن الخطاب .

والحق أن الذين يتلمسون المعاذير لا يسمون عمل عمر مخالفة ، إنما يسمونه " تصرفا " ليبنوا عليه قاعدة تهفو إليها أفئدتهم لتحلهم من الالتزام بشرع الله ، هي أن لولي الأمر أن يتصرف في أحكام الشريعة بما يراه ، بحسب الأحوال ! وبشئ من " البحبحة " يحلّون أولياء الأمور اليوم من الشريعة بأكملها ، بحجة مناسبة الأحوال !

* * *

فلننظر في عمل عمر رضي الله عنه : هل هو " إبطال " للشريعة أو " تصرف " فيها ؟ أم هو عين الالتزام بأحكام الشريعة مع الاجتهاد في تحديد الصورة الصحيحة لتطبيقها ؟

أوقف عمر حد السرقة عام الرمادة ، فما دلالة هذا التصرف ؟

فلنرجع إلى مقاصد الشريعة .

إن الإسلام لا يبدأ بتقرير العقوبة ولا بتطبيقها . إنما يسعى أولا لسد منافذ الجريمة حتى لا تقع ابتداء . فإذا وقعت نظر في كل حالة ليضمن أن فاعلها غير معذور ، فيقيم عليه الحد وقتئذ وقد ضمن ألا عذر له في ارتكاب الجريمة . فإذا قامت الشبهة فإنها تدرأ الحد . .

هذه هي الشريعة . وهذا هو الذي فعله عمر على وجه التحديد !

رأى أن شبهة الجوع الملجئ إلى السرقة قائمة ، فدرأ الحد بالشبهة ، ولم يقم الحد حتى يطمئن أن مرتكب السرقة غير معذور في ارتكابها . . فهل غيّر عمر شرع الله أو أبطل تنفيذه ؟ أم إنه كان منفذا دقيقا ملتزما في تطبيقه كل الالتزام ؟

أما الاجتهاد الآخر الذي قام به عمر رضي الله عنه فهو إبطال سهم المؤلفة قلوبهم من مصارف الزكاة .

تقول الآية الكريمة : ( إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) (2) .

وقال عمر رضي الله عنه : لقد أعزّ الله الإسلام ، فلم تعد هناك حاجة لتأليف القلوب . فهل أبطل عمر رضي الله عنه شرع الله ؟ أم إنه نظر في دواعي التطبيق ، فوجد - باجتهاده - أن الداعي لتأليف القلوب لم يعد قائما بعد أن أعز الله الإسلام ، فلم يعد لهذا السهم باب للإنفاق فيه في تلك الحالة ، وهي عزة الإسلام ، ودخول الناس فيه طواعية أو خضوعا للغالب المنتصر ، وفي كلتا الحالتين لا يحتاج الأمر إلى تأليف القلوب ، فالذي دخل طواعية مؤمن صادق قد استقر الإيمان في قلبه ، والذي دخل خضوعا للغالب المنتصر قد وجد السبب الذي يدعوه للإسلام فدخل فيه استجابة لذلك السبب ، وهو كافٍ عنده للدخول فيه !

لو قال عمر : إن هناك من نحتاج إلى تأليف قلبه للإسلام ، لأن الإسلام لم يتمكن في الأرض بعد ، ولكني أرى مع ذلك ألا أنفق هذا السهم من الزكاة لتأليف القلوب . . لو قال ذلك - وحاشا لعمر المؤمن التقي أن يقوله - لوقعت عندئذ المخالفة التي لا تقبل من عمر ولا غير عمر ، لأنها تكون عندئذ تغييرا وتبديلا في شرع الله .

أما قيام حالة لا يكون النص منطبقا فيها ، فلا يطبق النص لعدم انطباقه على الحالة القائمة ، فتصرف أبعد ما يكون عن التغيير أو التبديل في شرع الله .

ونأخذ مثالاً من حالة أخرى للتوضيح .

يقول يحيى بن سعيد : بعثني عمر بن عبد العزيز على صدقات إفريقية فاقتضيتها ، فطلبت فقراء أعطيها لهم فلم أجد ، فقد أغنى عمر بن عبد العزيز الناس . فاشتريت بها رقيقا فأعتقتهم .

فهل نقول إن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه أبطل الشريعة أو عدل فيها لأنه لم ينفق سهم الفقراء من أموال الزكاة ؟ أم نقول إنه وجدت حالة لم ينطبق فيها النص فلم يطبق ؟

وكذلك تصرف عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، سواء في عدم تطبيق حد السرقة عام الرمادة ، أو وقف إنفاق السهم الخاص بالمؤلفة قلوبهم من أموال الزكاة .

فأين من هذا دعوة الداعين إلى إعطاء " أولياء الأمور " حق إبطال الشريعة بكاملها والاستعاضة عنها بالشرائع الجاهلية . . بحجة عدم مناسبة الأحوال ؟!

* * *

إن " ولي الأمر " في الإسلام يكون شرط توليته ، الذي يعطيه شرعية تولي الأمر ، والذي بدونه لا تكون له شرعية ، هذه الشرط هو تطبيق شريعة الله ، فكيف يكون من حقه إبطال شرط توليته ومصدر شرعيته ؟!

وولي الأمر له على رعيته حق السمع والطاعة ، ولكن في حدود طاعته هو لله ورسوله ، فإن عصى الله ورسوله - بتعطيل شئ من شرع الله - فلا طاعة له على الناس .

(1) سورة غافر [ 29 ] .

(2) سورة التوبة [ 60 ] .

المفصل في شرح حديث من بدل دينه فاقتلوه · الصفحة ٦٩٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في شرح حديث من بدل دينه فاقتلوهص ٦٩٩