تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

واستعين على ذلك بكل وسائل الإعلام المتاحة من كتاب وصحيفة وقصة ومسرح وسينما وإذاعة ( وتليفزيون فيما بعد ) كما استعين بمناهج التعليم التي تصور الإسلام وشريعته جمودا وتأخرا ورجعية ، وتصور الأوضاع القائمة في أوربا - بجميع جوانبها ومجالاتها - على أنها هي الحضارة والرفعة والتقدم ، وتخرج أجيالا وراء أجيال تعرف شيئا عن أوربا (1) ، ولا تعرف عن الإسلام إلا ما يلقى في روعها من الشبهات !

واستعين فوق ذلك بالفكر الإرجائي الذي يقول إن الإيمان هو التصديق والإقرار ، وليس العمل داخلا في مسمى الإيمان . كما استعين " بعلماء " من علماء الدين ليؤكدوا هذه المعاني الإرجائية في نفوس الناس ، بعضهم " طيبون " ، تستغل طيبتهم دون وعى منهم ، وبعضهم " محترفون " يضللون الناس على علم .

* * *

يا حسرة على العباد !

إن تصور أمة محمد صلى الله عليه وسلم تتحاكم إلى غير شريعة الله لهو أمر مذهل ، وأمر بشع . . لا يخفف من بشاعته عموم البلوى ، ولا ثقلة الأمر الواقع !

كيف تخلت هذه الأمة عن رسالتها ، وعن تميزها الذي ميزها الله به ؟

هل أخرج الله هذه الأمة لتكون في ذيل القافلة تلهث وراء الركب ؟!

وهل أخرجها لتنبهم شخصيتها وتتميع ، وتصبح صورة مقلدة بل مشوهة من الجاهلية ؟!

ألم يخرجها لتكون قائدة ورائدة وشاهدة على كل البشرية ؟!

( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ) (2) .

( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً ) (3) .

وهل تستطيع أن تحقق شيئا من ذلك حين تتخلى عن شريعة الله وتنتهج شرائع الجاهلية ؟

قد يخطر في بال قوم أن الذي ينقصنا من أجل تحقيق وجودنا هو الطائرات والصواريخ ، والالآت والمصانع ، والعلم والتكنولوجيا . .

وكل ذلك ينقصنا حقا . .

ودع عنك الآن أنه ما صار ينقصنا إلا حين تخلفنا عن حقيقة لا إله إلا الله . وأننا حين كنا ملتزمين حقا بمقتضيات لا إله إلا الله كنا ممكنين في الأرض ، سابقين في كل مجالات الحياة ، لأن الله جعل كل أسباب الخير الحقيقي في مقتضيات لا إله إلا الله ، ويسرها لمن يلتزم حقا بلا إله إلا الله .

دع عنك الآن هذا ، ولنفترض - مع الخيال الجامح - أننا امتلكنا هذه الأدوات كلها كما تمتلكها " الدول العظمى ! " سواء بسواء ، ثم لم نطبق شريعة الله . . فهل نزيد في ميزان الله على أن نكون أمة جاهلية يمكن الله لها فترة من الوقت ثم يكون مصيرها الدمار في الأرض والعذاب الأليم يوم الحساب !!

( فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) (4) .

( مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) (5) .

إنما أخرج الله هذا الأمة لأمر أعظم من هذا بكثير . .

أخرجها لتكون هي النوذج الذي تحتذيه البشرية ، لتهتدي إلى ربها ، وتطبق منهجه في الأرض ، فتنال خير الدنيا وخير الآخرة ، وتنال رضوان الله . .

وذات يوم حققت الأمة ذلك النموذج الفذ في عالم الواقع . .

ولن تعود إلى التمكين والقوة حتى تعود إلى السبب الذي مكنها من قبل :

( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً ) (6) .

ولن يعبدوه حق عبادته ، عبادة خالية من الشرك ، حتى يلتزموا بتطبيق شريعة الله :

( فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً ) (7) .

=======================

المبْحَثُ الثاني - هَلْ لِوَليِّ الأَمْرِ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي أَحْكَامِ الشَّريْعَةِ بِحَسَبِ الأحوَال ؟

يقول الذين يتلمسون المعاذير والحجج ليتهربوا من الالتزام بتطبيق شريعة الله ، إن لولي الأمر أن يتصرف في أحكام الشريعة حسب الأحوال . . فقد أوقف عمر حد السرقة عام الرمادة ، وأبطل سهم المؤلفة قلوبهم من مصارف الزكاة . . فإذا جاز هذا لعمر رضي الله عنه فلماذا لا يجوز للحكام اليوم ، وقد تبدلت الأمور تبدلا حادا ، يستدعي إعادة النظر فيما يمكن وما لا يمكن ، وما يجوز وما لا يجوز ؟!

واتهام عمر رضي الله عنه بالتصرف من عند نفسه في أحكام الشريعة حسب أحوال عصره أمر خطير لا يجوز أن يترك بغير تفنيد وتحقيق .

(1) لم يكن لديهم معرفة حقيقية عن أوربا ، فقد كان في الحضارة الغربية إيجابيات - رغم انحرافاتها الجوهرية - ولم يكن مقصوداً تعليم المسلمين إيجابيات أوربا ، ولا كيف يتخذونها من أجل نهضتهم ، إنما كان المقصود تعريفهم - جيداً - بالانحلال الخلقي والإلحاد ، ليأكل في جسد الأمة الإسلامية .

(2) سورة آل عمران[ 110 ] .

(3) سورة البقرة [ 143 ] .

(4) سورة الأنعام [ 44 - 45 ] .

(5) سورة هود [ 15 - 16 ] .

(6) سورة النور [ 55 ] .

(7) سورة النساء [ 65 ] .

المفصل في شرح حديث من بدل دينه فاقتلوه · الصفحة ٦٩٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في شرح حديث من بدل دينه فاقتلوهص ٦٩٨