تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ) (1) .

( قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ ) (2) .

فما الذي منعهم - وهم يقرون بهذا كله - أن يكونوا مؤمنين ؟ وأي شئ جعلهم في حكم الله مشركين ؟

أمران رئيسيان : عبادة غير الله ، والتحليل والتحريم ( أي التشريع ) بغير ما أنزل الله :

( وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ ) (3) .

( وَقَالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ (4) إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ ) (5) .

* * *

ويعلم الله أننا ما قصدنا بهذا البيان إصدار حكم على أحد من أعيان الناس . فتلك قضية بينا من قبل في كتابين سابقين (6) أننا لا نتعرض لها في هذه المرحلة من حياة الأمة . إنما نحن في معرض البيان الواجب ، الذي هو أمانة في عنق كل من علم شيئا من حقيقة هذا الدين . . فواجبه أن يبين للناس ما جهلوه من شأن هذه الحقيقة لعلهم يغيّرون ما بأنفسهم فيغير الله لهم :

( إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ) (7) .

ولقد نسيت الأمة في حقبتها الأخيرة كثيرا من حقائق الإسلام التي كانت في حسها بديهيات لا تقبل النقاش .

وكان من بين ما نسيته هذه القضية الخطيرة ، وهي وجوب الحكم بما أنزل الله عقيدةً لا يكون المسلم مسلما إذا تخلى عنها ، وأن التشريع بغير ما أنزل الله ، والرضى بشرع غير شرع الله شرك مخرج من الملة .

ولئن كان الفكر الإرجائي قد مهد السبيل في الماضي لزحزحة الأمة عن كثير من الأعمال الواجبة - أو في القليل برر لها تقاعسها عن تلك الأعمال - على أساس أن العمل ليس داخلا في مسمى الإيمان ، وأن الإيمان يتحقق كاملا بالتصديق والإقرار فحسب . . فإن الغزو الصليبي - سواء العسكري أو الفكري - قد دفع الأمة دفعة خطيرة وراء آخر الحواجز التي كانت قد وقفت عندها على الرغم من كل تقاعسها وكل انحرافها . . فأخرجها من شريعة الله ، وهو يزين لها عملها ، ويمد لها في الغيّ ، ويوهمها أنها ما زالت في دائرة الإيمان . . .

ولقد قاوم المسلمون الغزو العسكري والغزو الفكري بما كان قد بقي فيهم من طاقة . . ولكن الخواء الذي كانت تعانيه الأمة من جراء انحرافاتها وأمراضها جعل هذه المقاومة أضعف من أن تقف للغزو الكاسح ، فاستتب الأمر للغزاة ، وتم لهم ما أرادوه من صرف الأمة عن الإسلام . . .

ولقد كان لهم من وراء تنحية شريعة الله عن الحكم مآرب عدة . . وكانوا يعلمون أنه بعد أن تنقض العروة الأولى - عروة الحكم - ستنقض بقية العرى واحدة إثر أخرى كما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لتنقضن عرى هذا الدين عروة عروة ، كلما نقضت عروة استمسك الناس بالتي بعدها ، فأولهن نقضا الحكم ، وآخرهن نقضا الصلاة " (8) .

كانوا يريدون أن تعمل حركة التنصير في العالم الإسلامي وهي آمنة مطمئنة ، لتفتن من تستطيع فتنته عن دينه . ولن تجد هذه الحركة مجالا لو بقيت الشريعة قائمة ، ونُفِّذ حد الردة على المتنصر الذي يرتد عن الإسلام .

وكانوا يريدون أن تشيع الفاحشة في المجتمع الإسلامي لتنحل أخلاقه ويسلس قياده للمستعمر ، ولم يكونوا ليستطيعوا - والشريعة قائمة - أن يفتحوا بيوتا رسمية للبغاء ، تحميها الدولة " المسلمة ! " بتشريعاتها وتنظيماتها وشرطتها ! ولا أن يفتحوا الحانات لتسقى الناس الخمر علانية باسم " المشروبات الروحية " (9) !! ولا أن يفتحوا المراقص للساقطات اللواتي أطلق عليهن فيما بعد لقب " الفنانات ! " لتلهية الناس عن صلاتهم وصيامهم ، ودنياهم وآخرتهم ، باسم الفن والحضارة والتقدم !

وبقى المؤمنون ينكرون ذلك كله بقلوبهم ، وقد عجزوا عن إنكاره بأيديهم ويئسوا من إنكاره بألسنتهم ، ولكن حتى هذا القدر الذي قال عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنه " أضعف الإيمان " " وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل " لم يكن مأمونا عند القائمين بالغزو الصليبي ، فقد يشتد يوما حتى يصبح " جهادا " حقيقيا كاسحا هو أشد ما يرهبونه من هذا الدين . ومن ثم سعى الغزو الفكري إلى تثبيت تلك الأوضاع على أنها هي الأصل الذي ينبغي أنْ يتبع ، وأن العدول عنه - بالعودة إلى تحكيم شريعة الله - هو الرجعية التي ينبغي أن يبرأ منها المتحضرون .

(1) سورة الزخرف [ 87 ] .

(2) سورة المؤمنون [ 84 - 89 ] .

(3) سورة النحل [ 35 ] .

(4) إله خالق رازق مدبر تقرون بوجوده ولا تتبعون شريعته ، وإله مزعوم يشرع لكم فتطيعونه في التشريع.

(5) سورة النحل [ 51 ] .

(6) انظر " واقعنا المعاصر " و " مفاهيم ينبغي أن تصحح " .

(7) سورة الرعد [ 11 ] .

(8) رواه أحمد .

(9) يطلق الأوربيون على الخمر اسم " المشروبات الكحولية Spiritual " ولكن المترجمين الخبثاء ترجموا كلمة Spiritual بالروحية ، مستغلين أن الكلمة الأوربية يمكن أن تؤدي كلا المعنيين : الروحية والكحولية . والتضليل واضح في الترجمة العربية .

المفصل في شرح حديث من بدل دينه فاقتلوه · الصفحة ٦٩٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في شرح حديث من بدل دينه فاقتلوهص ٦٩٧