ولنمثل للقضية بلجان الرأفة في الاختبارات - ولله المثل الأعلى - فلجنة الرأفة تنظر في أوراق الذين دخلوا الاختبار ثم رسبوا فيه . فإذا نجح منهم من نجح على يد لجنة الرأفة فذلك لا ينفي عنهم أولا أنهم كانوا راسبين بحسب المقاييس المعتمدة للنجاح . ثم إنهم ثانيا لا بد أن يكونوا قد حضروا الاختبار ثم رسبوا ، لأن عمل اللجنة لا يتناول الذين طردوا من الاختبار بسبب الغش - مثلاً - أو بأي سبب آخر . كذلك رحمة الله - ( وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) (1) - تشمل الذين قصروا في أداء الأعمال وهم مؤمنون ، ولكنها لا تشمل الذين طردوا من رحمة الله بسبب الشرك ، لقوله تعالى : ( إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ) (2) .
والآن فلننظر في الشرك الذي يخرج الإنسان من دائرة المغفرة ويحجب عنه الجنة .
يبين الله لنا في كتابه المنزل وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم أن هذا الشرك ثلاثة أنواع رئيسية ، كل واحد منها شرك ، وكل منها ناقض للا إله إلا الله :
الأول : يتعلق بالاعتقاد . وهو اعتقاد وجود آلهة تشارك الله سبحانه وتعالى في النفع والضر ، أو الإحياء والإماتة أو تدبير الأمر . . أو وجود شفعاء يملكون الشفاعة عند الله فيغيرون حكمه في السموات أو في الأرض .
الثاني : يتعلق بالعبادة . وهو توجيه أي مظهر من مظاهر العبادة لغير الله - معه أو من دونه - كالدعاء أو الإستغاثة أو النذر أو الذبح . . الخ .
الثالث : يتعلق بالتحليل والتحريم ( أي التشريع ) بغير ما أنزل الله .
ولما كنا في هذه العجالة معنيين بالنوع الثالث من الشرك - وهو شرك التشريع بغير ما أنزل الله - فسنقصر الحديث عليه ، متخذين الأدلة عليه من كتاب الله ، ومن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، ومن أقوال العلماء .
بين الله في كتابه المنزل أن الرسل الكرام صلوات الله وسلامه عليهم قد أرسلوا للناس لا ليدعوهم فقط إلى الاعتقاد بأن الله واحد لا شريك له ، ولكن ليبين لهم كذلك أن العبادة والنسك يجب أن توجه لله وحده بلا شريك ، ثم ليبلغهم تعليمات من ربهم ينظمون بمقتضاها حياتهم وتعاملاتهم بعضهم مع بعض " ليقوم الناس بالقسط " :
( لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ) (3) .
وبين سبحانه أن هذه الثلاثة : الاعتقاد والشعائر والشرائع هي مقتضى قول كل رسول لقومه : ( اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ ) (4) وأن نقض أي واحد من هذه الثلاثة - أو إشراك غير الله فيها - ناقض للإيمان .
وقال عن شرك التشريع الذي نحن بصدده في هذا المبحث :
( وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ ) (5) .
( وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ ) (6) .
كما قال عن اليهود والنصارى أنه تعالى ألزمهم بالحكم بشريعته ، وأن مخالفتهم لأمره تخرجهم من الإيمان :
( إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ) (7) .
( وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْأِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ ، وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْأِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ) (8) .
وقال تعالى في بيان أن التشريع بغير ما أنزل الله شرك مخرج من الإيمان مخاطبا المشركين أو منددا بهم :
( اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ ) (9) .
( أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ ) (10) .
وقال عن اليهود والنصارى كذلك في هذا الشأن :
( اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ ) (11) .
فلما أنكر ذلك عدي بن حاتم في حضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال : يا رسول الله ما عبدوهم ! بين له عليه الصلاة والسلام أن اتخاذهم أربابا هو نتيجة اتباعهم فيما شرعوا بغير ما أنزل الله . قال عليه الصلاة والسلام : " ألم يحلوا لهم الحرام ويحرموا عليهم الحلال فاتبعوهم ؟ فذلك عبادتهم إياهم " (12) .
(1) سورة الروم [ 27 ] .
(2) سورة النساء [ 116 ] .
(3) سورة الحديد [ 25 ] .
(4) سورة هود [ 50 ] .
(5) سورة لقمان [ 21 ] .
(6) سورة النحل [ 35 ] .
(7) سورة المائدة [ 44 ] .
(8) سورة المائدة [ 46 - 47 ] .
(9) سورة الأعراف [ 3 ] .
(10) سورة الشورى [ 21 ] .
(11) سورة التوبة [ 31 ] .
(12) رواه الترمذي .