والله أعلم وصلى الله على نبينا محمدوعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا ، حسبنا الله ونعم الوكيل ، ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا ، وإليك المصير
=============
وفي كتاب : حول تطبيق الشريعة تأليف العلامة محمد قطب حفظه الله :
المبْحَثُ الأول - هَل تَنفَصِلُ العقيدَةُ عَنِ الشّريْعَة فِي دِيْنِ اللهِ
يحسب كثير من الناس - بتأثير الفكر الإرجائي من جهة ، وتأثير الغزو الفكري من جهة أخرى - أن النطق بلا إله إلا الله محمد رسول الله ، يعطي الإنسان صفة الإسلام مدى الحياة ، ثم يدخله الجنة في الآخرة ، مهما تكن أعماله وأفكاره ومشاعره ! ومن ثم فلا علاقة لهذا الأمر بتحكيم شريعة الله !
ويرى فريق آخر من الناس - يعتبرون أنفسهم أكثر تفقها في دين الله - أن النطق بالشهادتين يعطي الإنسان صفة الإسلام في الحياة الدنيا ، لاصقة به طول حياته ، أيا تكن أعماله وأفكاره ومشاعره ، وحسابه على الله في الآخرة ، يدخله الجنة أو يدخله النار بحسب ما يعلم من سريرته سبحانه ، أما نحن فلنا الظاهر ، والظاهر هو قوله لا إله إلا الله . . . ولا علاقة لهذا الأمر بالتحاكم إلى شريعة الله !
ويكفي للرد على هذا الوهم وذاك أن أبا بكر رضي الله عنه قاتل قوما ينطقون بالشهادتين ، ويؤدون الصلاة كذلك ، ولكنهم يمتنعون فقط عن أداء الزكاة . ولو كانت صفة الإسلام تظل لاصقة بالإنسان بعد نطقه بالشهادتين مهما تكن أفعاله ما جاز لأبي بكر رضي الله عنه أن يقاتل أولئك القوم ، ولا أجمع الصحابة رضوان الله عليهم على وجوب قتالهم ، بعد أن استوثقوا أن هذا هو حكم الله في الأمر (1) .
إن لا إله إلا الله ، محمد رسول الله ، هي مدخل الناس إلى الإسلام ، ولا مدخل لهم سواها ، إليه وبمجرد نطقها يعتبرون مسلمين . .
ولكن القضية التي يغفلها - أو يغفل عنها - هؤلاء القوم وأولئك ، أن صفة الإسلام لا تلصق من ذات نفسها بالإنسان بعد نطقه بالشهادتين - مهما تكن أفعاله وأفكاره ومشاعره - إنما تحتاج إلى جهد دائب يقوم به الإنسان في كل لحظة من لحظات عمره لتثبيتها في مكانها ، ومنعها من أن تسقط عنه ، متمثلا هذا الجهد في القيام بأعمال معينة من أعمال القلب والجوارح لأنها من مقتضيات الإيمان ، والامتناع عن أعمال معينة من أعمال القلب والجوارح ، لأنها من نواقض لا إله إلا الله ، التي تنقض أصل الإيمان .
وفي هذا الجهد الدائب كانت حياة الصحابة رضوان الله عليهم ، حرصا منهم على بقاء صفة الإسلام لاصقة بهم ، وخوفا منهم أن تسقط هذه الصفة عنهم . وقد وصلوا في ذلك إلى قمم رائعة استحقوا من أجلها أن يوصفوا بأنهم خير القرون قاطبة (2) . ولكن العبرة هنا أنهم لم يعتقدوا قط أن مجرد النطق بالشهادتين يجعل صفة الإسلام تظل لاصقة بهم بغير هذا الجهد الدائب الذي يبذلونه لتثبيتها ، متمثلا ذلك الجهد في القيام بأعمال ، والامتناع عن أعمال . .
فإذا قال قائل إن هذا الأمر متعلق بالآخرة لا بالدنيا ، وإن للآخرة حسابها الخاص ، يحكم فيه الله بما شاء ، فيدخل الجنة - إن شاء - قوما لم يعملوا خيرا قط ، ويخرج من النار - إن شاء - قوما لم يعملوا خيرا قط ، إنما نحن بصدد الحديث عن الحياة الدنيا ، وحكم الإنسان فيها بعد أن ينطق بالشهادتين . . فنقول لهم إنه حتى في الحياة الدنيا فإن صفة الإسلام لا تظل لاصقة بالإنسان مدى الحياة بعد نطقه بالشهادتين إلا إذا قام بأعمال ، وامتنع عن القيام بأعمال ، بصرف النظر عما في داخل قلبه ، مما لا يعلم حقيقته إلا الله .
ولسنا هنا - في هذه العجالة - بصدد تفصيل الأعمال التي يجب أن يقوم بها الإنسان أو يمتنع عنها حتى تظل له صفة الإسلام في المجتمع المسلم ، فقد تكلمنا عنها في أكثر من كتاب (3) . إنما نحن معنيون هنا بنقطة واحدة معينة ، هي صلة لا إله إلا الله بالتحاكم إلى شريعة الله ، ومدى وثاقة هذه الصلة ، وهل يمكن أن تنفصل العقيدة عن الشريعة في دين الله (4) . . .
وقبل أن نتحدث عن هذه القضية نود أن نشير إلى معنى معين يغفله الذين يزعمون أن النطق بالشهادتين - وحده - هو الذي يعطي صفة الإسلام في الدنيا ، وأن التصديق والإقرار - وحدهما - يدخلان الناس الجنة في الآخرة ، ويحتجون " بالجهنميين " الذين يخرجهم الله من النار بعد أن يقضوا فيها ما شاء الله لهم أن يقضوا ، ثم يدخلهم الجنة بشفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهم لم يعملوا خيرا قط . .
ونقول - كما قلنا في كتاب سابق (5) - إنه لا حرج على فضل الله ( يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ ) (6) ولكن هذا أيضا له شروط ! وليس مطلقا كما يظن بعض الناس ! والله سبحانه وتعالى هو الذي بين الشروط .
(1) كان عمر - رضي الله عنه - يعارض قتالهم في مبدأ الأمر على أساس أنهم يقولون لا إله إلا الله محمد رسول الله ، ويحتج بقوله عليه الصلاة والسلام : " فإن قالوها فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها " ( متفق عليه ) فلما بين له أبو بكر - رضي الله عنه - أنهم نكلوا عن " حقها " قال قولته المعروفة : " والله ما إن رأيت أبا بكر شرح الله صدره للقتال حتى علمت أنه الحق " .
(2) "خير القرون قرني" أخرجه الشيخان .
(3) انظر إن شئت فصل " مفهوم لا إله إلا الله " من كتاب " مفاهيم ينبغي أن تصحح " وفصل " الصحوة الإسلامية " من كتاب " واقعنا المعاصر " .
(4) تكلمنا عن هذه القضية كذلك في الكتابين السابقين ، ولكن الحديث عنها في هذا البحث له ضرورته .
(5) " مفاهيم ينبغي أن تصحح " فصل " مفهوم لا إله إلا الله " .
(6) سورة الإنسان [ 31 ] .