تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولما مكّن الله لدينه في الأرض نجم في المجتمع فريق ثالث غير المؤمنين والكافرين الصرحاء ، وهم المنافقون - وهم في الدرك الأسفل من النار - أولئك الذين أظهروا الإيمان وأبطنوا الكفر . وقد تركز كفرهم ونفاقهم في قضية التشريع . فبين الله أن إعراضهم عن شريعة الله وبحثهم عن شريعة أخرى ، ينفي عنهم الإيمان جملة ، وأنهم لا يؤمنون حتى ينبذوا تلك الشرائع التي يتوجهون إليها ، ويعودوا إلى شريعة الله وحدها دون غيرها من الشرائع : ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً ) (1) إلى قوله تعالى : ( فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً ) (2) .

( وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ ) (3) .

* * *

فإذا كانت هذه الآيات - وأمثالها في القرآن كثير - قد بينت صلة الشريعة بالعقيدة ، وأنهما لا ينفصلان، وأن التشريع بغير ما أنزل الله شرك مخرج من الملة ، فقد بينت أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم هذه الصلة الوثيقة حين بيّن عليه الصلاة والسلام ما يكون من أمر الناس حين تخالف شريعة الله ، ومن باب أولى حين تنحى شريعة الله ويُحكَمون بشرع غير شرع الله :

" ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب ، يأخذون بسنته ويقتدون بأمره . ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف ، يقولون ما لا يفعلون ، ويفعلون ما لا يؤمرون . فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن . ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن . ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن . وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل " (4) .

" إنه يستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون . فمن كره فقد برئ ، ومن أنكر فقد سلم . ولكن من رضى وتابع " (5) .

وخلاصة الحديثين أن الرضى بشرع غير شرع الله مخرج من الملة كالتشريع سواء .

* * *

أما أقوال العلماء فنختار منها قول ابن كثير رحمه الله في تفسيره للآية الكريمة:

( أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ) (6) .

" ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله المشتمل على كل خير ، الناهي عن كل شر ، وعدل إلى ما سواه من الآراء والاصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله ، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات مما يضعونها بأهوائهم وآرائهم ، وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم جنكيز خان الذي وضع لهم الياسق ، وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام اقتبسها من شرائع شتى : من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية وغيرها ، وفيها كثير من الأحكام أخذها بمجرد نظره وهواه ، فصارت في بنيه شرعا متبعا يقدمونه على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، فمن فعل ذلك منهم فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله ، فلا يحكم سواه في قليل ولا كثير " (7) .

ويقول " ابن تيمية " رحمه الله :

" وبما ذكرته في مسمى الشريعة والحكم الشرعي يتبين أنه ليس للإنسان أن يخرج عن الشريعة في شئ من أموره ، بل كل ما يصلح له فهو في الشرع من أصوله وفروعه وأحواله وأعماله وسياسته ومعاملته وغير ذلك ، والحمد لله رب العالمين . . . وحقيقة الشريعة : اتباع الرسل والدخول تحت طاعتهم ، كما أن الخروج عنها خروج عن طاعة الرسل . وطاعة الرسل هي دين الله الذي أمر بالقتال عليه ، وقال : ( وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ ) . . . فعلى كل من الرعاة والرعية والرؤوس والمرؤوسين أن يطيع كل منهم الله ورسوله في حاله ، ويلتزم شريعة الله التي شرعها له " (8) .

ويقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله :

(1) سورة النساء [ 60 ] .

(2) سورة النساء [ 65 ] .

(3) سورة النور [ 47 - 48 ] .

(4) أخرجه مسلم .

(5) أخرجه مسلم .

(6) سورة المائدة [ 50 ] .

(7) تفسير ابن كثير ، ج 2 ، ص 67 .

(8) مجموع فتاوى ، شيخ الإسلام ابن تيمية ، جمع وترتيب عبد الرحمن بن محمد بن قاسم ، ج19/ ص 309 .

المفصل في شرح حديث من بدل دينه فاقتلوه · الصفحة ٦٩٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في شرح حديث من بدل دينه فاقتلوهص ٦٩٥