تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

من هذا المنطلق قتلُ المرتد حمايةٌ للإسلام إذًا من العابثين، وحمايةٌ له من أولئك المغرضين أمثال عبد الله بن سبأٍ مثلاً اليهوديّ الملعون الّذي تظاهر بالإسلام تظاهرًا، وغيره من الّذين دخلوا في الإسلام لا لاعتقادٍ واعتناق، ولكنّهم دخلوا فيه لينخروا فيه من أساساته، وليعيثوا فيه فسادًا من داخله، لا بدّ من أن يطهّر الإسلام من أمثال هؤلاء، ومع هذا ـ إخوتي ـ لا يقتل المرتدّ إلاّ بعد أن يُصرِّح بالرّدّة، فها هم أولاء المنافقون الّذين عاصروا النّبيّ ، لطالما ارتدّوا عن الإسلام، فلمّا قُرِّرُوا بردّتهم نكصوا وأنكروا، فلم يقتلوا بردّة لأنّ النّبيّ عليه الصّلاة والسّلام أخذ بالظّاهر، ها هو ذا رأس النّفاق عبد الله بن أبيّ بن سلول يسبّ النّبي ويذمّه، كانوا راجعين من غزوة بني المصطلق عندما اختصم رجلٌ خزرجيٌّ مع أجيرٍ لعمر بن الخطّاب، والخزرجيّ من أهل المدينة ومن قبيلة عبد الله بن أبيّ لعنه الله، وأجير عمر من أهل مكّة من المهاجرين، فلمّا وصل الخبر لعبد الله بن أبيٍّ قال: أوَيناهم في ديارنا ثمّ يقاتلوننا، ما مثلهم ومثلنا إلاّ كقول من قال: سمّن كلبك يأكلك ـ يقول ذلك عن المهاجرين ـ، لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجنّ الأعزّ منها الأزل) لعنة الله عليه، يقصد بالأعزّ نفسه، ويقصد بالأذلّ رسول الله ، وصل الخبر إلى المصطفى عليه الصّلاة والسّلام فأرسل إلى عبد الله بن أبيّ: ((أأنت قلتها يا ابن أبيّ؟)) قال: لا، قال: ((فانصرف)). لقد أقرّ الوحي ذلك الخبر، وثبت بالدّليل القاطع الّذي لا شبهة عليه فقال تعالى: يَقُولُونَ لَئِن رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ وَللهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ [المنافقون:8]، ومع هذا لم يقتل رسول الله ابن أبيٍّ لأنّه لم يعترف ولم يصرّح بما قال. جاء عمر بن الخطّاب رضي الله عنه قال: يا رسول الله، مرني أضرب عنقه، قال: ((لا يا عمر، لا أقتله حتى لا يقول النّاس: إنّ محمّدًا يقتل أصحابه)). صلّى الله عليك يا سيّدي يا رسول الله، وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِين [الأنبياء:107]، ((لا أقتله حتّى لا يقول النّاس: إنّ محمّدًا يقتل أصحابه)). منافقٌ يسبّه ومع ذلك لا يقتله كما يُقتَل المرتدّون، يأتي عبد الله بن عبد الله بن أبيّ بن سلول رضوان الله عليه ولعنة الله على أبيه، يقول: يا رسول الله، إنّه ليس أحدٌ أبرّ بأبيه منّي بأبي، وإنّي سمعت ما قال أبي، وإنّي أخشى أن تأمر واحدًا من المسلمين بقتله فلا أتحمّل ولا أطيق أن أرى قاتل أبي أمامي فأقتله ـ لبرّي بأبي أقتل قاتل أبي ـ فأكون قد قتلت مسلمًا بكافر ـ وهو يعترف أنّ أباه كافر، ولكنّه يخشى من حميّة البنوّة ـ، فيا رسول الله إن أردت أن تقتل أبي فمرني أقتله بنفسي، حتّى لا أتعرض لتقل رجلٍ قتل أبي بل أقتله أنا، فيقول عليه الصّلاة والسّلام: ((لا، ولكنْ نحسن إليه ما دام بيننا)). صلّى الله عليك يا سيّدي يا رسول الله، وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِين. يمضي عبد الله بن عبد الله رضوان الله عليه إلى أبيه لعنة الله عليه، فيقول له بعد أن أمسك به وهمّ بقتله همّ بضربه، قال له: والله، لا أدعك حتّى تقول: إنّك أنت الذّليل ورسول الله هو العزيز، حتّى إذا اعترف أبوه بذلك تركه، اعترف بأنّه هو الأذلّ ورسول الله هو الأعزّ. تمضي أيّامٌ ـ إخوتي ـ ويموت عبد الله بن أبيّ بن سلول رأس النّفاق، يأتي ابنه إلى رسول الله ويطلب منه رداءه ليكفّن به أباه، فيعطيه رداءه، ويقول له: ((إن فرغتم منه فأعلموني))، إذا فرغتم منه فأعلموني، يقول عمر: يا رسول الله، تكفّنه ببردتك وقد نافق! فيقول: ((وما ينفعه بردي إن لم ينفعه عمله؟!))، يعلمون رسول الله بأنّهم فرغوا من تجهيزه، من تغسيله وتكفينه، فيأتي النّبيّ عليه الصّلاة والسّلام ليصلّي عليه وهو الذّي ذمّه، وهو الذّي سبّه، وهو الّذي اتّهم زوجته بالفاحشة، وهو الّذي قال عنه ما قال، وهو الّذي أيّد اليهود عليه، وحاربه وحارب أصحابه، وهو الّذي قال: آمِنُواْ بِالَّذِيَ أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُواْ آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ، فيقف عمر بن الخطّاب بينه وبينه يقول: يا رسول الله، أتصلّي عليه وقد نافق؟! يقول: ((دعني يا عمر))، يقول: يا رسول الله، أتصلّي عليه وقد نافق؟! يقول: ((دعني يا عمر، فإنّ الله قال لي: اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ [التّوبة:80]، فوالله لو علمت أنّني لو استغفرت لهم واحدةً وسبعين مرّةً لغفر الله له لاستغفرت له)). وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِين، لو علم أنّه لو استغفر واحدةً وسبعين مرّةً لغفر الله لابن أُبَيّ لاستغفر له واحدةً وسبعين مرّة، ويصلّي عليه، عندها أنزل الله تعالى تأييدًا لعمر بن الخطّاب: وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُم مَاتَ أَبَدًا وَلاَ

تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ [التّوبة:84]. ارتدّ فلم تُقَم عليه عقوبة الرّدّة لأنّه لم يصرّح بِرِدَّتِه، بل كان يُظهر حبّه للنّبيّ، فعامله النّبيّ عليه الصّلاة والسّلام بالظّاهر مع يقينه من الباطن.

إذًا عقوبة الرّدّة لها شروطٌ وشروط، فإذا توافرت شروطها كلّها عندها لا بدّ من أن تقام حفظًا للإسلام من العبث كما قلت، وحفظًا من أغراض المغرضين، وحفظًا من إيذاء المؤذين.

المفصل في شرح حديث من بدل دينه فاقتلوه · الصفحة ٦٧١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في شرح حديث من بدل دينه فاقتلوهص ٦٧١