يقال لنا بعد كلّ هذا الكلام: علمنا أنّ الّذي دخل في الإسلام بمحض اختياره ليس له أن يدع الإسلام باختياره لأنّه تعاقد مع الإسلام وقبل بكل أحكامه، وعلمنا الأحكام المترتّبة على ذلك، ولكنْ ما تقولون في امرئٍ ولد في بيئةٍ مسلمة ونشأ مسلمًا لا باختياره، ولكنّ البيئة اضطرّته إلى ذلك، والمجتمع صيّره مسلمًا دون أن يكون له بذلك خيارٌ أو قرار، هذا إذا اكتشف يومًا من الأيّام أنّ الإسلام فيه شيءٌ من شبهات وأراد أن يدعه، فما تفعلون به؟
نقول: إنّ فضلاً من الله عليه أنّه ولد في البيئة المسلمة لئلاّ يصير عرضةً لتقاذف الأهواء والأمواج الإلحاديّة والكفريّة، لذلك صار مسلمًا بالطّبيعة، بالفطرة، وهذا غالبًا يكون إيمانه أثبت من إيمان غيره، لذلك فإن تعرّض لشبهةٍ يومًا من الأيّام فغالبًا لن تكون شبهةً عنيفةً كشبهة غيره، فيسهل ردّها عنده، قد يكون مرتدًّا كذلك للسّبب الأوّل: لغرضٍ أو هوى، فكم رأينا من شبابٍ يرتدّون عن الإسلام عقيدةً وفكرًا إلى دينٍ آخر؛ لأنّ الدّين الآخر ليس فيه حرامٌ وليس فيه ضوابط وليس فيه واجبات، فهو يريد أن يكون كما يشاء، وأن يفعل ما يحلو له، والإسلام لا يبيح له ذلك، امرؤٌ كهذا لا بدّ من أن توضع أمامه هذه العقوبة الصّارمة حتّى لا تسوّل له نفسه، وأمّا إن ترك الإسلام لشبهة فإنّنا نردّ شبهته كما رددنا شبهة ذلك الرّجل.
ولا بدّ ها هنا من أن نكون حلماء وحكماء وعقلاء وعلماء في التّعامل مع هذه الشّبهات، وبخاصّة مع شريحة الشّباب، وهذا ما أخاطب به الدّعاة كلّهم فأقول لهم: عاملوا الشّباب معاملة الطّبيب للمريض لا معاملة الحاكم للمجرم؛ لأنّهم يحتاجون إلى فهمٍ وعطف، يحتاجون إلى ذلك الصّدر الحاني الّذي يضمّهم، وإلى ذلك العقل الواعي الّذي يفهمهم، فلا تحملوا سيفًا، ولا تُشهروا سوطًا، بل احملوا قلبًا حانيًا وصدرًا دافئًا، واحملوا عقلاً واعيًا وفكرًا فاهمًا، حتّى تستطيعوا أن تردّوا شبهات الشّباب إن كانت عندهم شبهات؛ لأنّ إيمان هؤلاء أعظم من إيمان الّذين نشؤوا كفرة، فالله أنعم عليه إذ نشأ مؤمنًا فردّ الشّبهات عنده أسهل.
لذلك ـ إخوتي ـ انشروا ما قلت وأعلموهم أنّ ديننا هو دين الحرّيّة، وهو دين المنطق، وهو دين الرّأي، الرّأي الّذي ينضبط لا الرّأي الّذي ينعتق من الضّوابط. هو دين الحرّيّة، تلك الحرّيّة، ذلك التّحرّر الّذي هو وسطٌ بين التّحلل والتّحجّر، فليس دينًا إرهابيًّا ثيوقراطيًّا، وليس دينًا متحلّلاً متسيّبًا، بل إنّه دينٌ وسطٌ بين هذا وذاك، وإنّما الكمال يكون في الوسط، و((خير الأمور أوسطها)) أخرجه البيهقي عن مطرف رضي الله عنه وأخرجه ابن أبي شيبة عن أبي قلابة.
تلك شبهةٌ عظيمة نسأل الله أن لا يبقى فيها كلامٌ لمتكلّم أو شبهةٌ لمشبّه، ولكنّ ثمّة شبهاتٍ كثيرةً أُخر، نسأل الله أن ييسّر لنا ردّها والكلام فيها في لقاءاتٍ قادمةٍ بإذن الله تعالى، وليس ذلك من باب الدّفاع عن الإسلام لأنّ الإسلام حقٌّ بذاته لا يحتاج إلى من يدافع عنه، إنّما ذلك تشريفٌ لنا بأنْ نصير مظهرين للإسلام على حقيقته، نسأل الله تعالى أن يجعلنا ممّن يستمعون القول فيتّبعون أحسنه، أقول هذا القول وأستغفر الله.
-------------------------
الخطبة الثانية
الحمد لله حمدًا كثيرًا كما أمر، وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له إقرارًا بوحدانيّته وإرغامًا لمن جحد به وكفر، وأشهد أنّ سيّدنا محمّدًا عبده ورسوله الشّفيع المشفّع في المحشر، ما اتصلت عينٌ بنظرٍ ووعت أذنٌ لخبر.
أوصيكم ـ عباد الله ـ ونفسي بتقوى الله، وأحثّكم وإيّاي على طاعته، وأحذّركم وبال عصيانه ومخالفةِ أمره، واعلموا أنّه لا يضرّ ولا ينفع ولا يصل ولا يقطع ولا يعطي ولا يمنع ولا يخفض ولا يرفع ولا يفرّق ولا يجمع إلاّ الله.
واعلموا أنّ الله أمركم بأمرٍ بدأه بنفسه، وثنّى بملائكة قدسه وعرشه، فقال تعالى: إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56].
اللّهمّ صلّ على محمّدٍ وعلى آل سيّدنا محمّد كما صلّيت على سيّدنا إبراهيم وعلى آل سيّدنا إبراهيم إنّك حميدٌ مجيد، اللّهمّ بارك على سيّدنا محمّد وعلى آل سيّدنا محمّد كما باركت على سيّدنا إبراهيم وعلى آل سيّدنا إبراهيم في العالمين إنّك حميدٌ مجيد.
اللّهمّ أيّد الإسلام وأعزّ المسلمين، وأعل وانصر يا مولانا الحقّ والدّين...
=============== =
شبهة حول قتل المرتد
المجيب …د. هاني بن عبدالله الجبير
قاضي بمحكمة مكة المكرمة
التصنيف …الفهرسة/ العقائد والمذاهب الفكرية/مسائل متفرقة
التاريخ …14/2/1423
السؤال
زميل دراستي نصراني يسأل: لماذا يقتل من يرتد عن الإسلام؟ ويقول: أنا حر في تغيير ديني.
الجواب
ينبغي للمسلم ألاّ يشرّب قلبه الشبهات، بل يكون قوياً في الحق الذي يحمله، ولا يكن همه الدفاع والتبرير، فالنصارى يعتقدون جملة عقائد لا يتقبلها منطق ولا عقل فمناقشتهم فيها وبيانها أولى من ذلك.
وعلى كلٍ فإن كل حكم شرعه الله فهو لحكمة عظيمة، فالله -تعالى- حكيم عليم، وقد يعرف الإنسان هذه الحِكم وقد لا يعرفها.
والحقيقة أن حد الردة هو من تمام الحرية لمن تأمل في ذلك، فإن الإسلام لا يكره أحداً على الدخول فيه، بل ويفهم الناس بخطر الردة وعقوبتها، فلا يقدم أحد على اعتناق الإسلام إلا بعد تمام الاقتناع وتمام التروّي والتأني، فهو إرشاد له أن يفكر في الأمر تمام التفكير.