تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

في عموم الدّعوة إذا دعوت نصرانيًّا إلى الإسلام فلم يسلم اليوم فقد يسلم غدًا، فإن لم يسلم غدًا فقد يسلم بعد غدٍ، فإن لم يسلم هذا العام فقد يسلم العالم القادم، على أن أكون صاحب نفسٍ طويل وموجةٍ طويلة في دعوته، وأمّا هذا المرتدّ فإن لم يعد إلى دينه ضمن ثلاثة أيّام فإنّه سيقتل، وحكمة الدّاعي إذًا خطيرةٌ دقيقةٌ في هذا الموطن، أن يذهب أناسٌ جهلة يُسَمَّون مشايخ فقط وليست عندهم الذّخيرة العلميّة الكافية ويقولون له: "يا كافر، يا مرتدّ، عد إلى الدّين وإلاّ سنقتلك" فإنّ هذا سيخرّب أكثر ممّا يبني.

إخوتي، في أصل الدّين والإيمان لا يمكن أن يكفر بالدّين امرؤٌ لشبهةٍ تتردّد عنده في الأصل كما قال أبو سفيان في جوابه على أسئلة هرقل، قال له: هل يدخل أحدٌ دينه ثمّ يخرج منه سُخطةً له؟ قال: لا، فقال هرقل: وكذلك الإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب لا يخرج منها.

هذه الرّدّة حادثة، عندما صارت الشّبهات تُشاع وصارت الأمراض تفشو في عقائد النّاس صار بعضهم يرتدّ لشبهة، وإلاّ فلم يكن ذلك في الأصل واردًا؛ لأنّ النّاس كانوا يؤمنون إيمانًا خالصًا، وكانت عقائدهم صافية، إذًا ما دامت الأمراض عارضة فلا بدّ إذًا من أن نعالجها علاجًا حكيمًا، لا بدّ من أن يمضي إلى هذا المرتدّ أناسٌ عقلاء علماء حكماء حلماء توافرت فيهم كمالات الدّعاة كلّها، توافرت فيهم مناقب الحلماء أجمعها؛ حتّى يستطيعوا أولاً أن يفهموا نفسيّة هذا المرتدّ، وثانيًا أن يفهموا الشّبهات الّتي أودت به إلى الرّدّة، وثالثًا أن يفهموا الطّريقة الّتي بها يستطيعون إصلاح المرض، يفهمون النّفسيّة، ثمّ يفهمون أعراض مرضها، ثمّ يفهمون أدوية هذه الأعراض، فإنْ ذهب أناسٌ كهؤلاء إلى هذا المرتدّ وناقشوه وخاطبوه وأقاموا الحجّة عليه فبقي مرتدًّا فقد انتقل إذًا من خانة النّوع الثّاني إلى خانة النّوع الأوّل، إذًا هو لم يرتدّ لشبهة إنّما هو ارتدّ لغرض، عندها صار أهلاً لأنْ يقتل لأنّه أراد تخريب الإسلام وأراد إفساد عقائد المؤمنين؛ لأنّنا أقمنا عليه الحجج، ورددنا له الشّبهات باللغة الّتي يفهمها والمنطق الّذي يفهمه ومع ذلك بقي على ردّته، عندها نقول له: لا بدّ من أن نطهّر المجتمع منك؛ لأنّك مثل أولئك الّذين قالوا: آمِنُواْ بِالَّذِيَ أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُواْ آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [آل عمران:72]، مرضٌ في نفسك لا تفصح به، لا بدّ من أن تعاقب عليه بالقتل؛ لأنّك عقدت عقدًا اجتماعيًّا مع هذا الإسلام ورضيت من خلاله بكلّ تفاصيله وأحكامه. وأمّا إنْ حاول هؤلاء المستتيبون ردّ الشّبهات فعجَزوا وبقي هو المقدّم وبقي رأيه سائدًا ورأيهم مسودًا وكان هو أقوى حجّةً منهم عندها لا ينبغي أن يقتل هذا الرّجل، لا ينبغي أن يقامَ عليه حدّ الرّدّة لأنّنا ما أقمنا عليه الحجّة بعد، حتّى ولو استمرّت الاستتابة شهورًا لا أيّامًا ثلاثة؛ لأنّنا إنْ قتلناه حينها فإن ذنبه في رقبة وليّ الأمر الّذي قتله دون أن يقيم عليه الحجّة، والّذي أرسل إليه علماء هم جهلاء، وحكماء هم ليسوا حكماء، جعلهم حكّامًا دون أن يكونوا حكماء، ولا بدّ للحاكم من أن يكون حكيمًا، وكلّ حكمٍ لا يُشْفَع بحكمةٍ يكون تسلطًا، فإن عجزنا عن إقامة الحجّة عليه فلا بدّ من أنْ نتخيّر عالمًا يستطيع إقامة الحجّة عليه، وإلاّ فإن قتلناه قبل ذلك فإنّه سيكون قتيل ظلمٍ وقتيل جورٍ وسيكون شهيدًا لرأيه.

هذه هي الرّدّة إخوتي، لا نقتل امرأ إلاّ بعد أن نتأكّد أنّه ارتدّ عن دينه لغرضٍ وهوى، لا لرأيٍ ومبدأ، فأمّا إن كان لرأيٍ ومبدأ فإنّنا نقيم الحجّة عليه، فإن كان لرأيٍ ومبدأ فلا بدّ من أن نستطيع إقناعه بالعكس، فإن لم نستطع فلا ينبغي أن نقتله، وإن استطعنا ولم يعد إلى دينه فلا بدّ من أن نقتله لأنّه إذًا من النّوع الأوّل كما قلت.

المفصل في شرح حديث من بدل دينه فاقتلوه · الصفحة ٦٧٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في شرح حديث من بدل دينه فاقتلوهص ٦٧٠