هذه الرّدّة الّتي وضع لها هذه العقوبة الصّارمة نتائجها وخيمةٌ على المجتمع المسلم، تصوّر أنّ امرأً من النّاس يدخل الإسلام اليوم ثمّ يخرج منه غدًا، ثمّ يدخل فيه ثمّ يخرج منه، وقلّده أمثاله من المغرضين أصحاب الأهواء، ماذا سوف يحُلّ بالمسلمين من ضعاف الإيمان؟ سيقولون: لماذا يدع الإسلامَ بعد أن يدخل فيه؟! هذا لا بدّ أنّه يدلّ على أنّ في الإسلام أخطاءً اكتشفها هذا الرّجل، فسوف يهمّون بفعل مثل ما فعل، وفي هذا قال تعالى: آمِنُواْ بِالَّذِيَ أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُواْ آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [آل عمران:72]. هكذا قال اليهود لبعضهم، حرّضوا بعضهم على الإسلام ثمّ الرّدّة عَلَّ المسلمين يرتدّون مثل ما يرتدّ اليهود، آمِنُواْ بِالَّذِيَ أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُواْ آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ، أسلموا صباحًا واكفروا مساءً ثمّ أسلموا صباحًا ثمّ اكفروا مساءً لعلّهم يرجعون، أي: لعلّ المسلمين يرجعون عن دينهم ويرتدّون عنه، في المجتمع أمثال هؤلاء، فلا بدّ من أن توضع لهم عقوباتٌ صارمة لئلا تسوّل لهم نفوسهم أن يتّخذوا الإسلام لعبة وأن يتّخذوه طريقًا سهلا، الدّخول في الطّريق ليس مثله الرّجوع منه، فالرّجوع صعب، ما دمت قد دخلت فليس لك أن ترجع بالسّهولة ذاتها، ادرس الإسلام حتّى إذا اقتنعت به فاتّبعه، فإذا اتّبعته فلْتكن مخلصًا له.
ما أكثر ما نرى اليوم من مسلمين ضَعف إيمانهم لا لأنّ الإسلام فيه خطأٌ أو أنّ الإسلام فيه عيبٌ، ولكنْ بما يرون من تقصير من حَولهم، فكيف إذا رأوا ردّةً ممّن حولهم؟! كيف إذا رأوا نكوصًا عن الدّين جملةً وتفصيلا؟!
ثمّ ها هنا مسألةٌ هامّة، وهي أنّ المرتدّ غالبًا سيكون أحَد نوعين:
أمّا النّوع الأوّل فهو هذا الّذي ذكرنا، صاحب الغرض والهوى الّذي يريد أن يؤذيَ الإسلام، ويريد أن يخرّب الإسلام من الدّاخل، ومعلومٌ أنّ التّخريب من الدّاخل أبلغ ضررًا من التّخريب من الخارج؛ لذلك صارت اليوم وسيلة التّفجير وتهديم المباني هي التّفجير الدّاخليّ لأنّه يقوض البناء من أسسه، فإذا كان في المجتمع أمثال هؤلاء فلا بدّ من أن نقطع دابرهم بعقوبة القتل: ((من بدّل دينه فاقتلوه)).
وأمّا النّوع الثّاني فإنّهم أناسٌ لا يفكّرون بمثل هذا ولا يريدون أن يؤذوا الإسلام أو أن يردّوا المسلمين عن دينهم، ولكنّهم حقًّا اشتبهت عليهم بعض الأفكار، وضلّوا في فهم بعض أحكام الإسلام، فارتدّوا عن الدّين لهذا، فما حكم هؤلاء؟ وهل يقتلون كما يقتل أولئك؟ نعم يقتلون، ولكنْ لا يقتلون ابتداء، بل لا بدّ قبل أن نقتلهم من أن نردّ الشّبهات في عقولهم، ولا بدّ من أن نزيل ذلك الغبار الّذي تراكم على عقيدتهم.
يستتاب المرتدّ ثلاثة أيّامٍ قبل أن يقتل، فإن تاب فبها ونعمت، نسينا ما قال وتجاهلناه وعاد عضوًا نافعًا صالحًا في المجتمع، وأمّا إن بقي على ردّته فإنّ لنا معه شأنًا آخر عندها.
ثلاثة أيّامٍ نستتيبه فيهنّ، ولا بد من أن نقف عند هذه الاستتابة، فهل الاستتابة هي ما يفهمها عوامّ النّاس من أن نذهب فنقول له: "تب إلى الله، وإن لم تتب فسوف نقتلك"؟ هذا الكلام يعرفه ولا جدوى من تكراره على مسمعه، بل إنّه إن لم تردّ الشّبه حقيقةً فإنّه سيكون متقبّلاً للقتل، ألا ترى أن كثيرين يقتلون شهداء مبادئ فاسدة وهم مسرورون بذلك؟! ألا ترى إلى أصحاب المبادئ القوميّة والشّوفينيّة وأصحاب المبادئ الاشتراكية والشّيوعيّة وأصحاب المبادئ الفاسدة كيف يقتلون مسرورين لأنّهم يرون أنفسهم ينصرون القضيّة؟! فإن نحن استتبناه استتابةً ظاهرة فإنّنا لن نحلّ الإشكال، وسوف نقتله وهو بذلك مسرور، ولا نحلّ بذلك إشكالاً، سوف يظنّ أنّه قتل شهيدَ الحرّيّة وشهيد المبدأ وشهيد النّور وشهيد العقل والمنطق، ونحن في نظرِه العتاةُ المتمرّدون والطّغاة المتجبّرون الّذين حاربنا الحقّ والخير والهدى والفضيلة والعقل والمنطق، فهو المظلوم ونحن الظّلمة في نظره.
ليست الاستتابة كما تتصوّرون إخوتي؛ إنّما الاستتابة حلٌّ للعقد وفكٌّ للشّبه حتّى يستطيع الرّجل أن يفكّر بالمنطق الدّينيّ مرّةً أخرى. إذًا لا بدّ أن يكون المستتيبون علماء عقلاء حكماء، فإن كان ذلك المرتدّ فيلسوفًا فلا بدّ من أن يكون المستتيبون فلاسفة، وإن كان ذلك المرتدّ عالمًا تجريبيًّا فلا بدّ من أن يكون أولئك المستتيبون علماء تجريبيّين، وإن كان ذلك المرتدّ إنسانًا يفهم بمنطق التّاريخ فلا بدّ من أن يكون المستتيبون مناطقةً في التّاريخ، فضلاً عن علم المستتيبين بأحكام الشّرع وبمنطق الدّعوة والإصلاح حتّى يستطيعوا أن يعاملوه كما يناسبه.
الدّاعي ـ إخوتي ـ لا بدّ من أن يكون محقّقًا لشروطٍ هامّة، لا بدّ من أن يكون الدّاعي إلى الله عمومًا في كلّ مواطن الدّعوة عالمًا في المنطق وعالم نفسٍ وعالم حكمةٍ وفلسفة، ثمّ لا بدّ من أن يكون صاحب روحٍ مرنةٍ لطيفةٍ صافيةٍ يستطيع بها أن يدخل القلوب ويتعامل مع النّفوس، ويستطيع بها أن يتعرّف ثغرات البشر فيدخل عليهم من خلالها، لا بدّ من أن يكون الدّاعي ملمًّا محيطا كالبحر المحيط، لا بدّ من أن يكون الدّاعي في مقابل المتلقّي كالإناء الكبير في مقابل الإناء الصّغير حتّى يستطيع احتواءه واستيعابه، أمّا إن كان الدّاعي صغيرًا والمتلقي كبيرًا فإنّ الدّاعي عاجزٌ عن احتواء المتلقّي، هذا في عموم مواطن الدّعوة فكيف إذًا في دعوة المرتدّ؟! وهنا الدّعوة أخطر.