تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فها هو السّلطان سليم الأوّل ويقال السّلطان سليمان القانونيّ يخشى من تجمّع الأروام والبلغار والصّرب والأرمن، فَيَهِمُّ بإخراجهم من الدّولة العثمانيّة، فيقول له شيخ الإسلام في كلّ مرّة ويحذّره: "ليس لك عليهم إلاّ الجزية"، ليس لك أن تمارس ضدّهم إرهابًا دينيًّا أو تطهيرًا عرقيًّا، الله أوجب عليهم الجزية، فليس لك أن توجب عليهم سواها، فإذا لم يكن مسلمًا فإنّه ليس ملزمًا بأن يصير مسلمًا، فإن صار مسلمًا فبها ونعمت، وإلاّ فإنّ الدّولة الإسلاميّة تحفظ له حقوقه، تحفظ للنّصارى كنائسهم ولليهود بيعهم، وإنّ الدّولة الإسلاميّة تحميهم من أعدائهم، ولا تكلّفهم الخدمة الإلزاميّة في الجيش، فإذا خدم أحدهم في الجيش سقطت عنه الجزية لأنّه فعل ما يعوّضها، فما أشبه الجزية إذًا ببدَل الخدمة الإلزاميّة يدفعها من أراد أن لا يخدم في الجيش، وأمّا المسلم فليس له ذلك، ليس له أن لا يخدم في الجيش، بل هو ملزمٌ بالجهاد، صار التّفاوت هنا نظريًّا من النّظرة الدّنيويّة لصالح النّصرانيّ، وأمّا من النّظرة الأخرويّة فإنّ الجهاد فضلٌ وشرف وليس قسرًا وكلفة، لذلك صار لمصلحة المسلم، الدّولة الإسلاميّة مطالبةٌ بأن تحمي النّصارى من بعضهم، كما حدث في إنطاكيّة في بعض عصور الدّولة العثمانيّة، عندما خصّصت الدّولة جنودًا وأحراسًا يحمون طوائف النّصارى من بعضهم لعظيم الفتنة الّتي كانت بينهم، حتّى في فلسطين، حتّى في مهد النّصرانيّة في بيت لحم، كان النّصارى يذبّحون بعضهم ويقتتلون؛ من الّذي يحوز مفاتيح كنيسة المهد ـ مهد المسيح عليه السّلام ـ؛ لهذا فقد آلت المفاتيح إلى المسلمين إلى ذرّيّة أبي أيّوبٍ الأنصاريّ رضي الله عنه.

الدّولة الإسلاميّة مطالبةٌ بتأمين الحياة الكريمة لهؤلاء من غير المسلمين: (فوالله، ما أنصفناه إن أكلنا شبيبته ثمّ نخذله عند الهرم)، قالها عمر بن الخطّاب في رجلٍ يهوديّ.

إذًا ليس غير المسلم مطالبًا بالدّخول في الإسلام إلاّ مطالبةً دينيّةً معنويّةً، وأمّا من النّاحية المدنيّة فلا، فإن لم يسلم فإنّه لن يقتل، ولكنْ إذا أسلم ـ إخوتي ـ فإنّه قد صار عضوًا في هذا الاجتماع، وصار عضوًا في هذه المنظّمة الّتي تدعي الإسلام، فلا بدّ إذًا أن يتحمّل نتائج انتسابه لهذه المنظّمة، ولا بدّ من أن يكون راضيًا بكلّ ما فيها من مبادئ وقوانين، لم نأت بهذه القاعدة من عندنا فقط، بل إنّ كثيرين من غير المسلمين اعترفوا بها، فذلك على سبيل المثال جون جاك روسو في كتابه (العقد الاجتماعيّ) يقرّ أنّ امرأً فردًا من النّاس إن دخل في اجتماعٍ معيّن، وإن صار عضوًا في مجتمعٍ معيّن فقد عقد بينه وبين هذا المجتمع عقدًا بطريقةٍ تلقائيّةٍ، وإن لم يوقّع ويوقّعوا، وإن لم ينصّ وينصّوا، فإنّ العقد قد أبرم لأنّه صار عضوًا في هذا المجتمع، إن أنت دخلت بلدًا من البلدان فهل لك أن تخالفَ قانونه بدعوى أنّك لا تعترف بهذا القانون؟! إن أنت دخلت بلدًا يحرّم التّدخين في وسائل النّقل فدخّنت في وسائل النّقل وطولبت بالغرامة أو حبست ربّما، فهل لك أن تقول: أنا لست مقتنعًا بهذا القانون؟! إذا كنت غير مقتنعٍٍ بقانون البلد فلمَ دخلت البلد من الأساس؟! ما دمت قد دخلت البلد فأنت ملزمٌ بكل قوانينه، إن كنت معتادًا على التّسيّب في بلدك ثمّ سافرت إلى بلدٍ آخر لا تسيّب فيه واستمرَّت مسيرة التّسيّب عندك فهل تعذر لأنّك من بلدٍ آخر؟! لا، بل إنّ قوانين البلد الجديد صارت نافذةً عليك ملزمةً لك بكل تفاصيلها وحذافيرها، إذا كان هذا يتعلّق بالدّخول في بلد فمن باب أولى إن كان دخولاً في نظام وإن كان اعتناقًا لمبادئ هذا النّظام، إن أنت انتسبت إلى حزبٍ سياسيّ أو نادٍ اجتماعيّ أو منظّمةٍ ثقافيّةٍ مثلاً وبايعت أربابها على نظامها الدّاخليّ بتفاصيله، فهل لك فيما بعد أن تخالفه بدعوى أنّك غير مقتنعٍ به أو ببعض بنوده؟! لا.

فإذا دخلت ـ يا أيّها الإنسان ـ في دينٍ اسمه الإسلام فأنت إذًا ملزمٌ بتفاصيل هذا الإسلام، وعالمٌ مسبقًا بما يترتّب على كلّ فعلٍ تفعله، أنت لم تكن ملزمًا بالدّخول في هذا الدّين، أمَا وقد دخلت فيه فإنّك ملزمٌ بكلّ تفاصيله لأنّه دينٌ لا يجزَّأ، نظامٌ محكمٌ لا يفتّت، أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ [البقرة:85]. فعليك أن تقبل به كما هو.

يقول قائل: فإن دخلت فيه ثمّ تبيّنَت ليَ بعض التّفاصيل الّتي لم تعجبني فيما بعد فما أفعل؟ نقول: إن ارتدَدت عن هذا الدّين فإنّك إذًا لم ترتدّ عنه لأنّ بعض التّفاصيل لم تعجبك، ولكنّك ارتددت لأنّك إنسانٌ هوائيّ، تتّبع هواك، تريد التّقلّب والتّذبذب.

المفصل في شرح حديث من بدل دينه فاقتلوه · الصفحة ٦٦٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في شرح حديث من بدل دينه فاقتلوهص ٦٦٨