تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

عندما تكلّمنا عن الجهاد علمنا أنّ الجهاد لم يكن من أجل الإكراه، ولكنّ الجهاد كان من أجل التّحرير، كان الجهاد تحريرًا لآراء الشّعوب وعقائدهم من سلطان الملوك الجائرين، حتّى يستطيع الشّعب اتّخاذ كلمته بعيدًا عن سلطة المتسلّطين، فلمّا حارب المسلمون الملوك والجيوش ولم يحاربوا الشّعوب أفسحوا المجال للشّعوب لاتّخاذ القرار ولإعلان الكلمة، فمنهم من دخل الإسلام ومنهم من لم يدخل، ولم يُكره على ذلك أحد، وحسبك بذلك ذلك الحدث الجليل الّذي سردناه في عهد عمر بن عبد العزيز ما حدث في مصر، عندما انزعج والي مصر من دخول النّصارى في مصر في الإسلام؛ لأنّ دخولهم في الإسلام كان يُقلّلُ ريع الدّولة من الجزية، فأرسل إلى عمر بن عبد العزيز يشكو له ذلك، يشكو له أنّ أهل مصر يدخلون في الإسلام بكثرة، وإنّ هذا سينقص من أموال الجزية، فأرسل عمر بن عبد العزيز إلى والي مصر مَن عاقبه ضربًا بالسّياط، وقال له: (لوددت أنّ أهل مصر كلّهم دخلوا في الإسلام، إنّ الله بعث محمّدًا هاديًا، ولم يبعثه جابيًا).

أفترى في موقف الوالي ثمّ في موقف أمير المؤمنين أيّة إشارة أو تشمّ أيّ رائحة بأنّهم أكرهوا النّاس على الدّخول في الإسلام؟! والأمثلة بعد هذا كثير، فلم يكن الجهاد إذًا مظهرًا من مظاهر الإكراه، ولكنّه كان مظهرًا بالغًا من مظاهر التّحرير، ومن مظاهر الإطلاق والإعتاق، فلمّا انعتق النّاس اتخذوا قراراتهم بأنفسهم، لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ.

ها هو تعالى يقول في موطنٍ آخر: وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ [الكهف:29]. إنّها حرّيّةٌ مطلقةٌ في الرّأي والاختيار، ولكنّها حرّيّةٌ تترتّب عليها نتائج عظيمة، وبقدر ما يُعطى المرء من الحرّيّة يُحمّل من المسؤوليّة، فلمّا أُعطي حرّيّةً عظمى تتعلّق باتّخاذ القرار في أهمّ مسألةٍ في الكون وأهمّ مسألةٍ على مرّ التّاريخ، ألا وهي حرّيّة اتّخاذ الإله وحرّيّة انتساب الدّين، عندها حمّله أعظم مسؤوليّةٍ على الإطلاق، حمّله نتيجةً عظيمة هي الخلود في نعيمٍ أو في جحيم، وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ، ولكنْ ما بعد ذلك؟ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءتْ مُرْتَفَقًا إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً أُوْلَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا [الكهف:29-31].

هم اختاروا فتحمّلوا نتيجة اختيارهم، ولو أنّه أجبرهم على اتّباع مبدأ أو امتثال أمرٍ أو اعتناق دين لما تحمّلوا هذه المسؤوليّة العظيمة؛ لأنّه سبحانه كما قال: لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [يونس:44]، وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ [الكهف:29]، وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًَا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ [الأنعام:153]. إنّه تخيير، وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ [البلد:10]، إنّه تخيير، وما أكثر النّصوص الّتي تُقرّ التّخيير إقرارًا نظريًّا في الكتاب أو في السّنّة، فطريق الخير وطريق الشّرّ بيّنان.

يقال لنا: لقد تأكّدنا أنّ دينكم أقرّ حرّيّة الاختيار وحرّيّة العقيدة وحرّيّة الدّين إقرارًا نظريًّا، ولكنْ إذا نحن بحثنا في التّطبيق العمليّ عن ذلك فهل نجده أم إنّنا نجد إرهابًا وقسرًا؟ يُقال لنا: ما تقولون في حدّ الرّدّة؟! حيث إنّ مسلمًا يرتئي دينًا آخر غير الإسلام دينَ حقّ فيتّبعه فيقتل لذلك: ((من بدّل دينه فاقتلوه)) رواه أحمد والبخاري وأصحاب السنن عن ابن عباس رضي الله عنه، فكيف نوفّق بين تلك الحرّيّة المزعومة وبين هذا التّسيير وهذا الإجبار العمليّ البيّن: ((من بدّل دينه فاقتلوه))؟! فمن ارتدّ عن الإسلام قتل!

الجواب عن ذلك ـ إخوتي ـ أنّ الّذي لم يكن مسلمًا ليس ملزمًا في الدّنيا بأن يكون مسلمًا، وإن كنّا من النّاحية النّظريّة نحذّره من أنّه إن اختار غير الإسلام فسيتحمّل نتيجةً وخيمةً يوم القيامة؛ لأنّه يختار دينَ غير الله ويختار غيرَ دين الله؛ لذلك نحذّره، ولكنّنا لا نجبره، فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ [الكهف:29]، فإن شاء أسلم فله الفضل وله حقوق المسلمين وعليه واجباتهم، وإن شاء لم يسلم فسوف يعامل معاملةً فاضلةً في الدّولة المسلمة كما قال خالد بن الوليد، وكما قال أبو عبيدة، وكما قال الفاتحون العظام: لنا ما لهم وعلينا ما عليهم، لهم ما لنا وعليهم ما علينا، حتّى ولو لم يسلموا فإنّ لهم حقوقًا كما أنّ عليهم واجبات، يدفعون الجزية، وقد فصّلنا طويلاً في الجزية وبيّنّا أنّ فرض الجزية على غير المسلمين إنّما هو فضلٌ لهم وليس فضلاً للدّولة، فالدّولة الإسلاميّة تفضّلت عليهم إذ طالبتهم بالجزية لا أكثر.

المفصل في شرح حديث من بدل دينه فاقتلوه · الصفحة ٦٦٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في شرح حديث من بدل دينه فاقتلوهص ٦٦٧